أشار رئيس الجمهورية جوزاف عون، في كلمة من وزارة الدفاع بمناسبة عيد الجيش، أنّه “قبل نحو أربعين عامًا أقسمت قسمًا صار لي حياةً وقبل ثمانية أشهر أقسمت قسمًا لا رجوع عنه”.
وفي كلمة وجهها للعسكريين، قال عون: “ها أنا هنا، لأقول لكم، جنودا وجرحى وشهداء، لكم كل الشكر والجميل… وفاء لتضحياتكم، ولطهر دمائكم، ولصلوات أمهاتكم وقلق الآباء والأهل، فلأنني أعرف معنى التضحية وأعرف قدسية الشهادة، أدرك أيضا أن شعبا يستحق الحياة، لا يترك شهداءه، يسقطون مرتين مرة في الدفاع عنه ومرة بالنسيان أو الإنكار أو المساومات”.
وأضاف “كل شهيد قاتل وقاوم وسقط من أجل لبنان، أيًا كان مسقط رأسه أو قبلة ربه هو ذخر لنا، في مسيرتنا نحو تحقيق أهداف هذه الشهادة، ببناء وطن مستقل مستقر، مزدهر وعصري.. يحضن كل شعبه، وينفتح على العالم”.
ورأى الرئيس عون أنّ “الوفاء للشهداء ولتضحياتهم وللقضية التي ارتقوا من أجلها، يقتضي منا جميعا، أن نوقف الموت على أرضنا… وأن نوقف الدمار… وأن نوقف الانتحار، خصوصا حين تصبح الحروب عبثية مجانية ومستدامة، لمصالح الآخرين، وذلك حفاظا على كرامة شعبنا وأرضنا ودولتنا ووطننا”.
وتابع: “افتخر، لأن لا مؤسسة في الدولة اللبنانية، يجمع عليها اللبنانيون، أكثر من الجيش اللبناني. ولا مؤسسة قدمت التضحيات، مثل مؤسسة الجيش. ولا مؤسسة صمدت بوجه الفساد والضيق معا، كصمود الجيش. ولا مؤسسة حمت وحدة لبنان، وضمنت أمنه، مثل عناصر وضباط الجيش. فقد انهار اقتصاد كامل، ولم تنهر. واستبيحت الحدود والسيادة، ولم تستسلم. وزرع الأعداء عملاءهم بيننا، ولم يجدوا فيك خائنا”.
إقرأ أيضا: تحسبا للحرب القادمة.. استعدادات لوجستية لـ«الحزب» وخطة نزوح ميدانية في الشمال!
ولفت إلى أنّ “الجيش هو نسيج مصغر عن الشعب اللبناني بأبهى حلله. ولذلك فمن يحب جيشه، يحب شعبه ووطنه! وللجيش فضل كبير علي ودين أكبر. فضله أنه رباني على حب الوطن، كل الوطن دون اجتزاء، وعلى حب الشعب دون شعبوية، وعلى حب الله دون طائفية. وديني له كقائد أعلى للقوات المسلحة، وفق ميثاقنا ودستورنا، أن أحافظ على هيبته وكرامته وقوته ودوره، حفاظا مني على سيادة لبنان، وحرمة حدوده، ووحدة شعبه، وسلامة أراضيه، من حروب لا نريدها واعتداءات نرفضها”.
وأعلن أنّ “واجبي وواجب الجهات السياسية كافة، عبر مجلس الوزراء والمجلس الاعلى للدفاع ومجلس النواب والقوى السياسية كافة، أن نقتنص الفرصة التاريخية، وندفع من دون تردد، إلى التأكيد على حصرية السلاح بيد الجيش والقوى الأمنية، دون سواها، وعلى كافة الاراضي اللبنانية، اليوم قبل غد. كي نستعيد ثقة العالم بنا، وبقدرة الدولة على الحفاظ على أمنها بوجه الاعتداءات الاسرائيلية، التي لا تترك فرصة إلا وتنتهك فيها سيادتنا. كما بوجه الارهاب الذي يرتدي ثوب التطرف، وهو من الأديان براء”.
وأضاف الرئيس عون: “نعم، لقد انتهكت اسرائيل السيادة اللبنانية آلاف المرات، وقتلت مئات المواطنين، منذ اعلان وقف إطلاق النار في تشرين الثاني عام 2024، وحتى هذه الساعة. ومنعت الأهالي من العودة الى أراضيهم، ومن إعادة إعمار منازلهم وقراهم. ورفضت إطلاق الأسرى والانسحاب من الأراضي التي احتلتها. وقد وقف الجيش الى جانب الأهالي بكل شجاعة، رغم كل شيء. وخسر شهداء أعزاء. مثل المقدم الشهيد محمد فرحات، ابن بلدة دير قانون رأس العين، من الجنوب وليدا، والذي احتضنته كنائس زغرتا في الشمال شهيدا. بعدما تحدى سابقا المحتل وجها لوجه، أمام جميع العدسات، في وقفة بطولية هي من بطولة هذا الشعب وتصميمه على الصمود. قبل أن يعود سلاح الجو الاسرائيلي فيغدر به. ليرتقي رمزا لتضحيات جيشنا وشرفه ووفائه. وتجسيدا لالتفاف لبنان كله حول الجيش”.
ولفت إلى أنّه “أوكلت للجيش مهمات تطبيق وقف النار. وذلك بالتنسيق مع اللجنة العسكرية الخماسية الجهات. وتمكن على الرغم من تواضع الامكانيات وكثرة مهامه الأخرى، من أن يبسط سلطته على منطقة جنوب الليطاني غير المحتلة، وأن يجمع السلاح، ويدمر ما لا يمكن استخدامه منه. وذلك بشهادة اللجنة العسكرية الخماسية. وهو مصمم على استكمال مهامه، من خلال تطويع أكثر من 4500 جندي، وتدريبهم وتجهيزهم، ليكملوا انتشارهم في هذه المنطقة، على الرغم من عدم التزام اسرائيل بتعهداتها. وقد ساعده في تسهيل انتشاره، أهل الجنوب أبناء الأرض، الذين كانوا دوما قدوة في وطنيتهم وصمودهم”.
وأشار الرئيس عون إلى أنّه “أمام مسؤوليتي التاريخية، وانطلاقا من صلاحياتي الدستورية المنصوص عليها في المادة 52 من الدستور، واحتراما لليمين التي حلفتها، ولخطاب القسم، أرى من واجبي اليوم، أن أكشف للبنانيين، وللرأي العام الدولي ولكل مهتم ومعني، حقيقة المفاوضات التي باشرتها مع الجانب الاميركي، وذلك بالاتفاق الكامل مع رئيس مجلس الوزراء نواف سلام، وبالتنسيق الدائم مع رئيس مجلس النواب نبيه بري. والتي تهدف الى احترام تنفيذ إعلان وقف النار، والذي وافقت عليه الحكومة اللبنانية السابقة بالإجماع”.
وقال: “كان الجانب الاميركي قد عرض علينا مسودة أفكار، أجرينا عليها تعديلات جوهرية، ستطرح على مجلس الوزراء مطلع الأسبوع المقبل وفق الأصول، ولتحديد المراحل الزمنية لتنفيذها. وهذه أهم النقاط التي طالبنا بها: وقف فوري للأعمال العدائية الاسرائيلية، في الجو والبر والبحر، بما في ذلك الاغتيالات، وانسحاب اسرائيل خلف الحدود المعترف بها دوليا. وإطلاق سراح الأسرى، وبسط سلطة الدولة اللبنانية، على كافة أراضيها، وسحب سلاح جميع القوى المسلحة، ومن ضمنها حزب الله، وتسليمه الى الجيش اللبناني، وتأمين مبلغ مليار دولار أميركي سنويا، ولفترة عشر سنوات، من الدول الصديقة، لدعم الجيش اللبناني والقوى الأمنية، وتعزيز قدراتهما، وإقامة مؤتمر دولي للجهات المانحة لإعادة إعمار لبنان في الخريف المقبل، وتحديد وترسيم وتثبيت الحدود البرية والبحرية مع الجمهورية العربية السورية، بمساعدة كل من الولايات المتحدة وفرنسا والمملكة العربية السعودية والفرق المختصة في الأمم المتحدة، وحل مسألة النازحين السوريين، ومكافحة التهريب والمخدرات، ودعم زراعات وصناعات بديلة”.
وأوضح الرئيس عون أنّ “هذه هي أهم بنود المذكرة التي حددنا مراحل تنفيذها بشكل متواز، والتي لا يمكن لأي لبناني صادق ومخلص إلا أن يتبناها. بما يقطع الطريق على اسرائيل، في الاستمرار في عدوانها، ويفرض عليها الانسحاب من جميع الأراضي المحتلة، ويرسم حدود لبنان جنوبا وشرقا وشمالا، لأول مرة في تاريخه، ويضبط مراقبة هذه الحدود، ويمنع الاعتداءات، ويعيد الناس الى أراضيها، ويؤمن لهم الأموال اللازمة لبناء البنى التحتية والبيوت، ويعزز الثقة بالدولة اللبنانية ومؤسساتها، وبالجيش أولا، ويعطينا فرصة لإقامة استقرار ثابت ودائم، هو الشرط الأول لازدهار الاقتصاد اللبناني، وللمضي في الاصلاحات البنيوية الضرورية، بدعم دولي وعربي”.
إقرأ أيضا: تصعيد غير مسبوق وتهديدات علنية لـ«الحزب».. هل يشارك وزراء «الثنائي» في جلسة الثلاثاء حول السلاح؟
وأشار إلى “أننا تعبنا من حروب الآخرين وحروبنا على أرضنا، ومن رهاناتنا ومن كل المغامرات. وآن لنا أن ننهي أعذار وأطماع أعدائنا الذين يستثمرون في انشقاقاتنا وهواجسنا. والذين واجهناهم أحيانا فرادى من خارج أطر الدولة، اعتقادا من بعضنا، ولو عن حسن نية، بأن الدولة أضعف من أن تقاوم. أو أن العدو هو في الداخل. أو أن طرفا خارجيا يدعم أحدنا، سيحارب نيابة عنه. وقد سقطت هذه الأوهام كلها. بعدما أسقطت الآلاف من شهدائنا ودمرت قسما كبيرا من وطننا”.
وتابع الرئيس عون: “لا، ليس أضمن من سلاح الجيش بوجه العدوان. جيش وراءه دولة مبنية على المؤسسات والعدالة والمصلحة العامة. فلنحتم جميعا خلف الجيش. لأن التجربة أثبتت أن سلاحه هو الأمضى، وقيادته هي الأضمن، والولاء له هو الأمتن”.

