هناك فرق كبير في المنظور الإسلامي بين الابتلاء الذي يرفع الدرجات، وبين العواقب الطبيعية للقرارات الخاطئة الناتجة عن التفريط او عدم الوعي أو إهمال الأسباب الكونية.
الفرق بين الابتلاء وعاقبة التفريط وسوء التقدير
-عقوبة الإهمال: التمسك بالقرارات الخاطئة وتجاهل الحكمة يُعد تفريطاً، والله تعالى لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم، فالإنسان يُحاسب على تقصيره.
(لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَالٍ ) [الرعد: 11].
-سُنّة الأسباب: ربط الله الكون بالقوانين والأسباب فمن دخل النار احترق، ومن اتخذ قراراً طائشاً تحمّل تبعاته، ولا يصح تسمية عاقبة الخطأ “ابتلاءً مجرداً” لتبرير التقصير.
فالأخذ بالأسباب عبادة، و القضاء بإحدى أوجهه هو القوانين التي وضعها مبدع الكون في هذا الكون تؤدي مخالفتها إلى الوقوع في الضرر، و القدر بإحدى أوجهه هو تلك القوانين التى سنها الله كقوانين حتمية فيزيائية في هذه الطبيعة يؤدي الأخذ بها الى جلب المنفعة أو تجنب الضرر. وإن من استهان بالمقدمات، ندم على النتائج.
من أهمل المقدمات ابتلي بالنتائج
وكما في علم المنطق النتائج تتبع أخسّ المقدمات. فإذا كنت المقدمات سلبية كانت نتائجها كذلك وهكذا …
لا زالت كثير من الحركات والناس، بل برمجت أحزاب وقيادات كثيرة المجتمعات أن تنتظر النتائج الموعودة في الحروب وغيرها أيضا بروايات يعلمون يقينا أو لا يعلمون ضعفها – وكثير منها ضعيف لا يعول عليه لبناء يقين أصلا- وهي لا تقوم بواجب المقدمات .. كان ذلك على مدى طويل من الزمن حتى تكرست هذه الثقافة المدمرة لمجتمعاتنا .. وآن لهم أن يقلعوا عن هذا المنهج الذي لا أساس له دينيا وعقليا ويستريحوا أو أن يعيدوا القراءة وآن لهم أن يدركوا أنهم ليسوا خارج طبيعة القوانين الفيزيائية المادية التي وضعها الله في هذا الكون
وأنها تشملهم كما تشمل غيرهم …
-الظلم الذاتي: ينص القرآن الكريم على أن الإنسان هو من يضر نفسه باختياراته السيئة، قال تعالى: «وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَٰكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ» [النحل: 33].
شروط معونة الله وتأييده للعبد
-الاعتراف بالخطأ: معونة الله تبدأ من التوبة والاستغفار والعودة عن الخطأ، وليس من الإصرار على الخطأ وتوقع الفرج، كما قال آدم عليه السلام: «ربنا ظلمنا أنفسنا» [الأعراف: 23].
-الأخذ بالأسباب: أُمِر الإنسان بالتعقل والاستشارة؛ وورد عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: «احْرِصْ علَى ما يَنْفَعُكَ، وَاسْتَعِنْ باللَّهِ وَلَا تَعْجِزْ»، فالاستعانة يجب أن تتبعها حركة صحيحة وليس مجرد آمال وأذكار وتمتمات بكلمات.
-تدارك النتيجة: الله رحيم بعباده، وإذا ندم العبد على قراره الخاطئ وأصلح مساره، أعانه الله على تجاوز الأزمة وفتح له أبواب الفرج.
إن الإصرار على نفس السلوك الخاطئ وتوقع نتيجة مختلفة ليس مجرد حماقة، بل هو تصادم مع السُّنن التي وضعها الله في الكون فسُنن الله لا تحابي أحداً وهي إحدى معجزاته في الخلق والتكوين وقانون الأسباب الذي ربط الله النتائج بالمقدمات ربطاً محكماً، فمن كرر نفس المقدمات الخاطئة سيجني حتماً نفس النتائج الفاشلة، ولن تخرق السُنن الإلهية لحماية من يلغي عقله.
وقد أكد النبي صلى الله عليه وآله على ضرورة التعلم من التجربة وتجنب تكرار الخطأ، حيث قال: «لَا يُلْدَغُ الْمُؤْمِنُ مِنْ جُحْرٍ وَاحِدٍ مَرَّتَيْنِ».
إن إصرار الإنسان على رأيه الفاسد ورؤيته لخطئه على أنه صواب هو نوع من الغرور، وعلامة على الخذلان وقد ذم القرآن الكريم من يفعل ذلك في قوله: «أَفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا» [فاطر: 8].
طالما يبقى المخطيء مصراً على المكابرة فإنه يبقى في دائرة عدم التوفيق ، لأن الله لا يعين من يسعى في هلاك نفسه وغيره ويقودها إلى التهلكة بوعي أو بغير وعي.
و إذا أفاق الشخص من حماقته، واعترف بخطئه، وغير طريقته (الأخذ بالأسباب الجديدة)، حينها فقط يتداركه الله برحمته ويعينه على إصلاح ما فسد.
(قالا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ) الأعراف:٢٣.

