لبنان إلى أين؟ بين الضغوط الدولية والاستحقاقات الداخلية

ياسين شبلي

مؤشرات كثيرة – سلبية للأسف – ظهرت في الآونة الأخيرة حول الوضع في لبنان، خاصة بعد الزيارة الأخيرة للمبعوث الأميركي إلى سوريا ولبنان توماس باراك إلى بيروت، وذلك بالرغم من تصريحاته “الدبلوماسية” وابتساماته “الخبيثة” التي وزَّعها على الجميع، والتي هي بالحقيقة “حمّالة أوجه”، بحيث بدا في غالبيتها وكأنه يقول الشيء ونقيضه، بعكس تصريحات سابقته مورغان أورتاغوس التي كانت مباشرة وفجّة ولكن واضحة وصريحة.

تزايد الضغوط على الحكومة اللبنانية

هذه المؤشرات في الواقع لم تأتِ من فراغ، بل هي نتاج عدة تطورات داخلية وإقليمية مؤثرة من جهة، واستحقاقات تتعلق بتطور الأوضاع في لبنان من جهة أخرى، وهي استحقاقات لم يتم الالتزام أو الإيفاء بها كما يرى الأميركيون بالأصالة عن أنفسهم وبالنيابة عن إسرائيل.

من هذه الاستحقاقات – ولعلها الأهم – هو موضوع “حصرية السلاح” بيد الدولة اللبنانية الذي كان قد تعهد به رئيس الجمهورية جوزيف عون في خطاب القسم، وأدرجته الحكومة كبند رئيسي في بيانها الوزاري، والذي ترى الولايات المتحدة بأن هناك مماطلة في تنفيذه بالرغم مما قام ويقوم به الجيش اللبناني من عمل لتنفيذ هذا البند ميدانياً، إذ تعتبره غير كافٍ وتضغط باتجاه اتخاذ قرار سياسي واضح وصريح بذلك عبر طرح الأمر على مجلس الوزراء.

وهو الضغط الذي يبدو أنه بلغ مرحلة متقدمة ودقيقة بحيث لم يعد هناك من مجال لتأخيره، وهو ما دفع رئيس الحكومة – على ما يبدو – لترحيل اجتماع الحكومة من يوم الخميس إلى يوم الثلاثاء المقبل، بذريعة تزامنها مع الجلسة التشريعية في مجلس النواب، بينما قد يكون الهدف هو إفساح المجال أكثر للتشاور ومحاولة الاتفاق على صيغة تُبعد الأسوأ المتوقع عن لبنان.

تترافق هذه الضغوط وتترابط مع استحقاق موعد التمديد للقوات الدولية “اليونيفيل” في الجنوب في ظل المناوشات المتكررة التي تحصل ما بينها وبين “الأهالي”، وفي ظل التوجه الأميركي الدائم، تارة لتوسيع صلاحيات هذه القوات، وأخرى لتقليص التمويل لها في حال لم تتوسع هذه المهام، ما يضع لبنان بين شقي رحى “الأهالي” ومن ورائهم حزب الله من جهة، وأميركا وإسرائيل من جهة أخرى، مع ما يعنيه من إمكانية تقليص حجم الدعم لهذه القوات أو انسحابها – غير المطروح حالياً على الأقل، ولو أنه غير مستبعد بالمطلق – من مخاطر على الجنوب وأهله ومستقبله، ولا يخفى على كل مراقب مدى ترابط عمل هذه القوات مع مبدأ حصرية السلاح بيد الدولة اللبنانية وحدها وما يطرحه هذا الأمر من إشكاليات.

تطورات إقليمية ضاغطة ومخاوف من حرب جديدة

هذا على المستوى الداخلي اللبناني، أما على المستوى الإقليمي فهناك تطورات متسارعة دائماً بكل ما تتركه من آثار على المنطقة بشكل عام ولبنان بشكل خاص، نظراً لترابط وتداخل مشاكله مع هذه التطورات سواء في غزة بامتداداتها الإقليمية، أم في سوريا وما تركته الأحداث الأخيرة فيها من قلق وتوتر في الداخل.

ففي غزة تفاقمت الأوضاع، حيث انتقلت المأساة إلى طور آخر جديد من المعاناة، فبعد القتل والتهجير دخل الوضع طور التجويع المتعمد والحصار القاتل، مع كل ما يحمله هذا الأمر من ضغوطات سواء على حركة حماس أم على حكومة بنيامين نتنياهو، ولو أن الطرفين يبدوان – للأسف – غير مهتمين بمعاناة الناس أكثر من اهتمامهم بمستقبلهم السياسي، وهو ما يجعل المفاوضات تتعثر وتدور في حلقة مفرغة إلا من القتل والتهجير والتجويع للمدنيين الغزيين.

تطور آخر برز مؤخراً، وقد يكون نتاجاً لتطورات غزة ومأساتها، وقد يدخل في باب الضغط الدولي على إسرائيل، وهو تداعي العديد من الدول الأوروبية – وعلى رأسها فرنسا وبريطانيا – للاعتراف بالدولة الفلسطينية قبل إعلانها، وهو ما تجلى في المؤتمر الذي رعته كل من السعودية وفرنسا في نيويورك لدعم حل الدولتين في الشرق الأوسط.

وهو تطور مهم، ولو أن الولايات المتحدة أعلنت بأنها غير معنية به، ما يطرح التساؤل حول جديته من جهة، أو جدية “الرفض” الأميركي له من جهة أخرى، إذ يكاد يكون من المستحيل أن تطوراً مهماً كهذا يمر دون رضى أو “قبة باط” أميركية – على الأقل.

رفض مبادرة بري

وهو تطور يزيد من الضغط – المعنوي أقله – على إسرائيل، ما قد يزيد أيضاً من فرص هروب نتنياهو كعادته إلى الأمام عبر التصعيد، وإذا أضفنا إلى هذه التطورات الانسداد السياسي الكامل في المنطقة وعلى كل الجبهات، تبدو لنا المؤشرات – بدءاً برفض إسرائيل لخطة الرئيس نبيه بري بوقف الاعتداءات والاغتيالات لمدة 15 يوماً، وصولاً لتصريحات باراك بخصوص حزب الله وبأنه لا ضمانات للبنان قبل حصر السلاح بيد الدولة، مروراً بتصريحات مسؤولي الحزب عن رفض تسليم السلاح والاستعداد لمواجهة هذا الأمر – تبدو كلها بما تحمله من تهديد وضغط على مستقبل الأوضاع في لبنان، وكأنها قد تؤدي إلى توقّع جولة جديدة من الحرب، قد تحمل معها هذه المرة – إذا ما حصلت – مخاطر جدية على لبنان ووحدة أراضيه، في زمن إعادة تركيب المنطقة بما قد يتطلبه الأمر من “قص ولزق” لمحاولة تمرير المخططات، سواء لحماية إسرائيل عبر تقسيم أو “فدرلة” المنطقة، أو لمحاولة إيجاد حل للفلسطينيين على حساب البعض في المنطقة عبر دولة لا أحد يعلم حتى الآن حدودها وأين وكيف ستكون بالضبط.

يُصادف ذلك مع حلول الذكرى الأولى لبداية الحرب الشاملة في المنطقة، التي بدأت عملياً – ولو بالتدريج – في 31 تموز 2024، ليلة اغتيال رئيس أركان حزب الله فؤاد شكر في الضاحية الجنوبية لبيروت، ورئيس المكتب السياسي لحركة حماس إسماعيل هنية في طهران في نفس الليلة، لتتسارع الأحداث بعدها كما بات معروفاً.

فهل يكون حان موعد الجولة الثانية للحرب بعد انتهاء فترة السماح الأميركية لتنفيذ ما عجزت السياسة عن تنفيذه؟

أم أن هذه المؤشرات ليست سوى تهويل وأدوات ضغط إضافية لا أكثر، وقد تكون من “عدة الشغل” المطلوبة بانتظار بلورة حل نهائي للمنطقة، قد لا يمر إلا عبر إشراك طهران فيه بعد أن تكون قد استوعبت و”هضمت” تطورات الأشهر الأخيرة؟

كل الأمور واردة، ولو أن التجارب مع إسرائيل ونتنياهو بالذات لا تدعو للاطمئنان، وما الحروب الأخيرة التي خاضها بخبث ولؤم على جميع الجبهات، إلا دليل على روح المغامرة والرعونة لديه، في ظل صمت العالم عن ارتكاباته وعدوانيته.

اقرأ أيضا: سلاح الحزب بين الضغط الدولي والجمود اللبناني: اختبار السيادة يتعمّق

السابق
عون في عيد الجيش: علينا التأكيد على حصرية السلاح بيد الجيش والقوى الأمنية اليوم قبل الغد
التالي
طهران تطالب واشنطن بتعويضات عن خسائر حرب الـ12 يوماً