عندما تنتصر ‘الممانعة’ بفوز اسبانيا على الارجنتين!

لم تعد الشعوب تشاهد مباريات كرة القدم للمتعة ولشغفها في اللعبة التي احتلّت مكانة ذهبيّة في الوعي البشري منذ عقود، وأقوى مسوّغ لهذه الفكرة هو مباراة نهائي كأس العالم 2026 بين إسبانيا والأرجنتين، التي أُقيمت في ولاية نيوجيرسي الأميركية، وانتهت بفوز المملكة الإسبانية بهدف دون ردّ، جاء بشقّ الأنفس، بالرغم من التفوّق الإسباني التكتيكي والحرص الدفاعي الأرجنتيني، ولا سيّما من قبل حارس المرمى إيميليانو مارتينيز.

تتويج المنتخب الأسباني بكأس العالم 2026

من المتعة الرياضية إلى البحث عن الانتصار

لن ندخل في دهاليز الملعب الأخضر ونقارب اللعبة من زاوية رياضيّة، كوننا الأبعد تخصّصًا عن الملاعب وصداها وأدبيّاتها وعلومها، بل بالحالة التي أصابت العرب عمومًا واللبنانيين خصوصًا بعد فوز المنتخب الإسباني، الذي لا يملك شريحة جماهيريّة كبيرة في لبنان على الأقل.

لاعبو إسبانيا يحتفلون باللقب (د.ب.أ)

المباراة التي تحوّلت إلى كرنفال سياسي

فوز إسبانيا تحوّل إلى كرنفال سياسي جماهيري منذ إطلاق صافرة الحكم السلوفيني سلافكو فينتشيتش، فشعوبنا اللبنانية، على حدّ تعبير حازم صاغية، والشعوب العربية، تعبت من الهزائم وباتت تبحث عن متنفّس أو فوز أو انتصار، ولو كان لا يعنيها شخصيًّا.

أعلام المنتخبات العالمية تزين مقاهي بيروت وتجمع سكان العاصمة والنازحين تحت سقف الشغف الكروي المشترك (الجزيرة)

الهزيمة والبحث عن نصر بالوكالة

في أبسط الأمور وأوضحها، بات يتجلّى انتصار في نكبة تصيب الغير على المستويات كافّة، لكن، كوننا أصبحنا سواسية في المصائب والويلات، خصوصًا نحن اللبنانيين الذين عشنا حربين متتاليتين أودتا بالجنوب بأكمله “وراء الشمس”، باتت الزوايا أضيق التي يمكن العثور فيها على “انتصار”، ولعلّ أضيق هذه الزوايا لعبة كرة القدم، سواء الكلاسيكو (برشلونة – ريال مدريد)، أو الديربي (ميلان – إنتر)، أو المونديال الذي انتهى ليل أمس “بانتصار” فلسطين على “إسرائيل” بالوكالة، كما رأى جمهور محور الممانعة .

حزب الله قيادة وجمهورًا يشيّع أحد “سعدائه” (تعبيريّة)

كيف جرى استثمار فوز إسبانيا؟

حزب الله، الذي خرج وجمهوره من هذه الحرب مثقلًا بالكراهية تجاه من ينتقده، ومثقلًا برسائل الكراهية المضادّة من مختلف الطوائف، ولا سيّما داخل بيئته الشيعية، قرّر تشتيت هذه الكراهية وتأجيلها عبر أشكال عدّة، آخرها مباراة إسبانيا والأرجنتين، والبدء بتعبئة الجمهور لدعم إسبانيا، التي رفع مهاجمها لامين يامال العلم الفلسطيني، وقامت حكومتها قبل ذلك بدعم القضية الفلسطينية في وجه حكومة بنيامين نتنياهو، التي أمعنت في الإبادة الفلسطينية.
عوامل عدّة خدمت هذا الاستدراج الحزبي الذي قام به الحزب تجاه جمهوره، أوّلها إعلان رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو دعم المنتخب الأرجنتيني، وثانيًا قيام عدد من البلديات الجنوبية، منها بلدية عربصاليم، بحشد الناس أمام شاشة عملاقة في البلدة، وهو شكل من أشكال التمرين على تناسي النكبة والهزائم والخسارات.

النجم الأسباني لامين يامال يرتدي علم فلسطين خلال تتويج بلاده بكأس العالم 2026

من يامال إلى ميسي… صناعة الاصطفاف

أجاد حزب الله، عبر منصّاته ومجموعاته الدعائية والإعلامية الخاصة والعامة، تسخيف المأساة وتبسيطها وحصرها في “ماتش” كروي.

احتفالات في المشرفيّة في ضاحية بيروت الجنوبيّة بمناسبة فوز المنتخب الاسباني بكأس العالم 2026

حركة أمل واحتفال “النبيه”

الأمر كان أكثر خفّة وكوميديّة في الجو “الحركي”، فجمهور حركة أمل، الذين يحبّون ويوالون بالفطرة رئيس المجلس النيابي نبيه برّي، وينتخبون النائب الحركي فاسدًا كان أو العكس كرمى لعيني “نبيههم” أو “نبيّهم”، تجمّعوا، شبابًا ورجالًا، بعد انتهاء المباراة حول صورة زعيمهم، مهلّلين له بعبارات لا تخلو من الانفعال والتبريكات، فقط لأنّ أحد زوّاره سرّب تشجيعه للمنتخب الإسباني، وكأنّ النبيه الذي ناصر، بالخطابات والشعارات، فلسطين، وصارع عبر المنابر الطواحين كرمى لعيني موسى الصدر ورفيقيه، يختلف تمام الاختلاف عن نبيه برّي الذي والى لامين يامال ورفاقه…
حزب الله، الذي عجز عن دكّ تل أبيب وحيفا بالمعنى الفادح والبليغ لفعل الدكّ، نجح بجدارة، عبر مجموعة من مجموعاته، بزفّ خبر دكّ المنتخب الإسباني شباك الأرجنتين، حليفة إسرائيل، ومالت حركة أمل عن الجانب المؤلم للحكايا الجنوبية، وبايعت النبيه، متمايزة عن الحزب حتّى في مقاربة أكثر الأمور ثانوية.

لافتة تحمل صورة رئيس مجلس النواب اللبناني وزعيم حركة أمل نبيه برّي في ضاحية بيروت الجنوبيّة (غيتي 2018- تعبيريّة)

كرة القدم كوسيلة لتأجيل الأسئلة الكبرى

كثر هم الناس الذين يبحثون عن انتصارات “تفرفح” حيواتهم، وكثيرة هي التوافه التي سيلتقطها حزب الله لينسي جمهوره حقّه في المساءلة، أو المطالبة بالتعويض، أو بإعادة الإعمار، أو بالتعبير عن قلقهم المالي الوجودي إزاء مصير القرض الحسن الدراماتيكي.

مدينة بنت جبيل مدمّرة- 2026 (تعبيريّة)

حين يُستعار الانتصار من أقدام لاعب

فعل لامين يامال ما لم يفعله “سادة الفحوى” (بالإذن من أجود مجبل) في الحزب، لينقلب الحزب مجدّدًا على سرديّته دون أن يسنده سواه. فحين انتفى الانتصار العسكري في الميدان… عثر عليه بين أقدام لامين يامال… ليكون الحزب التائه بين الركام باحثًا عن انتصار، ولو عبر علم مرفوع في إسبانيا، ولو قبل زمن، فهل سترفع صورة يامال على مداخل الضاحية والجنوب وبعلبك – الهرمل؟

السابق
قبل لقاء ترامب..بن سلمان يسبق الجميع ويدعو عون لزيارة المملكة
التالي
«اللقاء الديمقراطي» يؤكد موقف «التقدمي» من السويداء.. خارطة الحل تبدأ بالمحاسبة