لا شك أن حزب الله تجتاحه معضلة كبيرة تتحكم بمركز القرار، ألا وهي حالة النكران لما أصابه ويصيبه يومياً من عمليات فيها مقتلة قادته الميدانيين، نتيجة الخرق الأمني الذي تعيث به فساداً أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية، وقد تمكنت من تحقيق ضربات موجعة لا يزال يتعرض لها. وفي المقابل، أمينه العام الجديد دأب على إلقاء الخطب النارية التي تُظهر عن عجز فهم الواقع الذي يعيش فيه حزبه ودولة الولي الفقيه الذي يتبع.
أزمة داخلية تتعاظم
ففي الوقت الذي أصابت حزبه مقتلة عظيمة أطاحت بقيادته التاريخية والمتمثلة بأمينه العام “حسن نصرالله” وخلفه الذي كان مفترضاً، وكبار قادته المخضرمين من عسكريين وأمنيين، وفقد نصف أو أكثر من عتاده الصاروخي الاستراتيجي وكثراً من عديده المدرب، لا زال يُصيبه العمى الفكري، فيُكابر وكأنه يمارس الانتحار ويرغب بأن يكون انتحاره جماعياً مع من تبقى من قادته وعناصره، بل ويأخذ معه جزءاً مهماً من بيئته الشيعية المكلومة، والتي لا زالت تئن من نتائج حرب الإسناد والمشاغلة، والتي أطاحت بمناطق كبيرة من جنوب لبنان، والتي لا زالت مدمرة، وأهلها نازحون، وقد خسروا أرزاقهم وممتلكاتهم. وحزب الله غير قادر على لملمة بعض الجراح، بل يئن تحت ضغط شعبي، وحتى عناصره لا يقبضون رواتبهم بدون مشاكل، وخصوصاً بعد أن تقطعت السُبُل في طرق الإمداد، وتعثرت عمليات تهريب الأموال ليغطي بها أعمال التشغيل اليومي من رواتب ومصاريف، أصبح الحزب وبمجمل أجهزته الأمنية والعسكرية والمدنية يُعانون من قبض رواتبهم في أوقاتها، بل تتأخر شهرين أو أكثر في بعض الأحيان.
قيادة مكابرة… وبيئة تنهار
وفي الوقت الذي تعصف الأزمات بحزب الله، لا زال الشيخ نعيم وبعض أركان حزبه يُكابرون، ويعيشون في عمى فهم استراتيجي عما أصابهم وحلّ بهم وبحزبهم. ففي مكان ما يختبئ فيه الشيخ نعيم، لا زال على خطى سلفه يوجه الخطب الرنانة المكتوبة سلفاً، وهي بالدرجة الأولى موجهة لحزبه وبيئته ومحازبيه. لكنه بذلك يُحمّل معه القرار الرسمي اللبناني أزمة تعادل جرّ لبنان لحربٍ جديدة قد لا تترك شيئاً إلا وتجرفه معها، وخصوصاً فيما يطلقه من خطابات عالية السقف فيها بعض التحدي، والتي يعرف جيداً هو ومن معه أنه غير قادر على الصمود والمواجهة إن بدأت الحرب، وهو يُعطي حكومة العدو الصهيوني التبريرات للاعتداء على لبنان وشعبه، وحيث إن حكومة العدو ليست بحاجة لتبريرات.
الخوف كل الخوف أن يُعلن نتنياهو من واشنطن التي يزورها اليوم وقف الحرب على غزة، وحل جزئي للرهائن الذين لا يزالون بأيدي حماس، فيتحول حينها للعمل العسكري والعدوان على لبنان، وبمباركة أميركية، بعد أن فقد لبنان كل الفرص التي أضاعها منذُ انتخاب الرئيس جوزيف عون وتشكيل حكومة عهده حتى اليوم.
حينها، تكون قد اكتملت كل الاستعدادات للانتحار الجماعي، الذي يعمل عليه الشيخ نعيم قاسم وأركان قيادته الحالية، الساقطة في غياهب عدم الاتزان الفكري والسياسي، ولا زالت غير قادرة على فهم المتغيرات الحاصلة في هذا الشرق، لا بل جاهلة أسلوب القراءة فيما تحصل من تطورات، وتؤدي بحزب الله وبيئته، ومعهم لبنان، إلى عرس انتحار جماعي، فيما العالم يتغير من حولنا، وما التصعيد ليلة الأمس سوى بروفا بالنار على ما سيحصل في الأسابيع القادمة.
اقرا ايضا: «باراك» في بيروت: ورقة ردّ مشروطة..وغارات اسرائيلية تُملي الإيقاع

