بين غارات إسرائيل على الجنوب وغزة، وتصلب موقف حزب الله، تسلّم الموفد الأميركي توم باراك الرد اللبناني: “حصر السلاح… عندما تنسحب إسرائيل”
في مناخ متوتر تشوبه الغارات، والخروقات، والتسريبات المتضاربة، حطّ الموفد الأميركي توم باراك اليوم الاثنين في بيروت، لتسلّم الرد الرسمي اللبناني على ورقته بشأن حصرية السلاح بيد الدولة اللبنانية، وسط تطورات ميدانية متسارعة في الجنوب، وجدل سياسي داخلي محتدم، بينما يخيّم على الإقليم شبح “هدنة معلقة” في غزة، ويترنّح لبنان بين فرص التسوية وضغوط التصعيد.
10 إصابات ورسائل نارية عشية الزيارة
لم تكن الساعات التي سبقت وصول باراك إلى بيروت هادئة. فعلى الأرض، كثّفت إسرائيل ضرباتها على مناطق لبنانية عدة، في مشهد تكرّر مؤخراً في كل استحقاق سياسي مفصلي. غارتان إسرائيليتان أمس الأحد على برج رحال والزرارية أسفرتا عن إصابة 10 مدنيين، بينهم طفلة حالتها خطرة، كما سُجلت غارات على جرود بوداي والبقاع، ومرتفعات إقليم التفاح وكفرملكي، فيما أفاد شهود عيان عن توغلات إسرائيلية في كفركلا وعيتا الشعب، شملت تجريفًا وتمركزًا مؤقتًا لقوات العدو.
هذه الهجمات اعتبرها مراقبون “تصعيدًا محسوبًا” ورسالة مسبقة للوسطاء، مفادها أن إسرائيل لن تنتظر طويلًا الردود الناعمة، بل تتحرك وفق إيقاع النار متى شاءت. وهي أيضًا رسائل واضحة إلى حزب الله، في لحظة تفاوضية دقيقة، بأن “عدم التجاوب” مع المطالب الدولية ستكون كلفته ميدانية.
رد لبناني “مرن سياسيًا… متصلب أمنيًا”
في المقابل، صاغت الرئاسات اللبنانية الثلاث ردًّا رسميًا موحدًا على ورقة باراك، وجاء في مضمونه الكثير من التوازن الحذر: الرد يتعهد بالتمسك بالقرار 1701، ويدعو إلى بسط سلطة الدولة جنوب الليطاني، ويؤكد تفكيك منشآت غير نظامية، لكنه يربط حصرية السلاح بيد الدولة بتنفيذ إسرائيل التزاماتها الكاملة، بدءًا من الانسحاب من النقاط الخمس المحتلة، مرورًا بوقف الخروقات، ووصولًا إلى إعادة الأسرى.
وفيما اعتُبر بعض البنود “إيجابيًا دبلوماسيًا”، وخصوصًا تلك المتعلقة بتجديد ولاية اليونيفيل ودعم الجيش، فإن ورقة الرد اللبنانية – بحسب مصادر ديبلوماسية – “تحمل في طياتها اشتراطات مسبقة ستُفهم في واشنطن وتل أبيب على أنها محاولة لكسب الوقت، لا التزامًا فعليًا”.
حزب الله يردّ قبل الدولة: “سلاحنا ليس محل مساومة”
اللافت أن حزب الله لم ينتظر صدور الرد الرسمي. ففي خطابين متزامنين لكل من الشيخ نعيم قاسم والنائب حسن عز الدين في ذكرى عاشوراء، وُجهت رسالة واضحة إلى باراك: لا تسليم للسلاح قبل انسحاب إسرائيل ووقف عدوانها، بل “نحن مستعدون للحرب كما للسلام، والتهديد لا يجعلنا نلين”.
الخطاب التصعيدي رافقه تعقيد داخلي يتمثل في صراع داخل الحزب نفسه بعد اغتيال أمينه العام السيد حسن نصرالله، وفق ما تسرب من مصادر سياسية متابعة، تحدثت عن خلافات بين أجنحة، أحدها يفضل التفاوض والآخر يصرّ على التشدد. هذه المعطيات تزيد غموض المرحلة وتُصعّب مهمة باراك، الذي كان يأمل بلقاء مسؤولين يحملون تصورًا واضحًا لمسار انتقالي، يبدأ بتسليم السلاح الثقيل، ولا ينتهي عند استراتيجية دفاعية موحدة.
الدولة اللبنانية بين الموقف والمأزق
من جهة الدولة، تبرز مواقف كل من رئيس الجمهورية جوزيف عون ورئيس الحكومة نواف سلام كإشارات لمحاولة ضبط الإيقاع الداخلي وتفادي الانزلاق إلى المجهول. عون شدد على ضرورة تمكين الجيش من بسط سلطته الكاملة في الجنوب، فيما أكد سلام أن “لا استقرار دون انسحاب كامل لإسرائيل، ولا دولة دون حصرية السلاح”.
لكن الأصوات المعارضة، وعلى رأسها القوات اللبنانية، شككت بجدوى الرد الرسمي، واعتبرته “إعادة إنتاج لبدعة الترويكا الأسدية”، منتقدة تجاوب الدولة مع شروط حزب الله بدل العكس، ومحذرة من تفويت فرصة تاريخية لاستعادة السيادة.
إقليمًا، تتشابك الملفات من فوردو الإيراني إلى غزة، الرد اللبناني وُصف بـ”المقبول غير الكافي”، و”المرن في الشكل، المتشدد في الجوهر”، وهو ما يجعل زيارة باراك أقرب إلى جولة استطلاع نوايا منها إلى خطوة أولى في مسار اتفاق شامل.
غزة في الموازاة: مفاوضات حذرة وهدنة مرتقبة
الإقليم لا يقل سخونة عن الجنوب اللبناني. ففي موازاة زيارة باراك إلى بيروت، عُقد لقاء مهم في واشنطن بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، يتزامن مع جولة تفاوض غير مباشرة بين حماس وإسرائيل في الدوحة.
المقترح الأميركي الحالي ينص على هدنة لمدة 60 يومًا، وإفراج جزئي عن الأسرى من الطرفين. حماس أبدت مرونة مشروطة، بينما رفضت إسرائيل تعديلات اقترحتها الحركة. ورغم ذلك، تشير تسريبات إلى أن الضغوط الأميركية قد تُثمر إعلان الهدنة قبل نهاية الأسبوع، في مسعى لإعادة ترتيب المشهد الإقليمي وتخفيف الضغط على الجبهة الشمالية.
لكن ما يقلق المراقبين هو أن أي فشل في تثبيت هذه الهدنة قد ينعكس مباشرة على لبنان، حيث يبدو أن الخطة الإسرائيلية-الأميركية تنظر إلى الجبهتين كجبهة واحدة، وبالتالي فإن التعثر في غزة قد يعني جولة عنف جديدة في الجنوب اللبناني.
اقرا ايضا: هذه هي بنود الرد اللبناني على «الورقة الاميركية»

