منذ انهيار الاتحاد السوفياتي عام 1991، دخل اليسار العالمي، ومعه اليسار اللبناني، مرحلة أزمة عميقة. لم يكن السقوط مجرد حدث سياسي، بل زلزالا أيديولوجيا، جرف معه مرجعيات فكرية وتنظيمية، وزرع الشكوك في إمكان استمرار المشروع الاشتراكي كبديل واقعي للرأسمالية العالمية.
فقدت الأحزاب الاشتراكية في العالم نموذجها المرجعي، واضطرت إلى إعادة التموضع. العديد منها، خصوصا في أوروبا، انزلق إلى ما سمي بـ”الطريق الثالث”، فتبنى سياسات ليبرالية خفيفة، وأهمل الجوهر الطبقي الذي تأسس عليه. بالتوازي، تراجعت النقابات، وتقلصت الطبقة العاملة، وصعد اليمين الشعبوي مستفيدا من فراغ الخطاب التقدمي.
في لبنان: ضياع بين الطائفية والانقسام
تاريخيا، كان لليسار اللبناني دور محوري في النضال الوطني، من مقاومة الاستعمار الفرنسي، إلى مقارعة الاحتلال الإسرائيلي بعد 1982 عبر جبهة المقاومة الوطنية. غير أن نهاية الحرب الأهلية وبدء عصر “الطائف” أدخلا البلد في مسار طائفي صريح، قضى على أي فرصة لبناء دولة مدنية.
وجد اليسار نفسه خارج الاصطفافات الطائفية، عاجزا عن مجاراتها ماديا وتنظيميا، وفاقدا للدعم الخارجي بعد سقوط المنظومة الاشتراكية العالمية. كما أن محاولات التوحيد اليساري، أو بناء جبهة علمانية واسعة، لم تفلح في تجاوز التشتت والعزلة.
14 و17 تشرين: لحظة كان يمكن البناء عليها
برزت في 14 تشرين الأول 2019 أولى إرهاصات غضب اجتماعي طافح، تحولت لاحقا إلى انتفاضة 17 تشرين. شارك اليسار فيها بحيوية، من خلال شبابه ونقاباته ومبادراته، لكن الحراك عجز عن إنتاج قيادة موحدة أو مشروع بديل واضح، وسط ممانعة عنيفة من السلطة وقواها.
بقيت الأحزاب اليسارية، رغم تاريخها، على هامش التأثير السياسي، وهو ما ظهر في انتخابات 2022، حيث لم تفلح قوى التغيير في فرض توازن جديد.
الخيار لا يزال مطروحا
في زمن الانهيار الاقتصادي، واحتضار النموذج الزبائني، تبدو الحاجة ملحة لبديل سياسي جذري. اليسار، بخطابه العلمي واللاطائفي، مؤهل لطرح هذا البديل، شرط أن يتحرر من خطابه الخشبي، ويعيد التواصل مع هموم الناس الفعلية: الغلاء، البطالة، التعليم، الصحة، والبيئة.
إن مستقبل اليسار في لبنان لا يبنى على الحنين، بل على شجاعة النقد، وإرادة البناء، وتواضع الإصغاء. فالتاريخ لا يعيد نفسه، لكن المبادئ الحقيقية لا تموت… إلا إذا قرر أصحابها دفنها.
اقرا ايضا: لقاء نواف سلام و«حزب الله»: محاولة احتواء أم بداية تسوية؟

