فساد الأدوية في لبنان: بين التهريب والتزوير..المواطن ضحية والمنظومة في غيبوبة

الادوية المضبوطة للتهريب

لقد وصل فساد وفجور وطمع وحب المال.. ورأس المال… والقيمة الزائدة… في بلداننا إلى المتاجرة بالأدوية السرطانية – الفاسدة – المهرّبة – المزوّرة… أولاد الشياطين الأبالسة… الشيطان فيهم لا يميز ولا يتميز. نعم، شياطين لا تميز بين صحة الناس وتهريب الأدوية المدعومة إلى الخارج… شياطين لا تميز ولا يرف لها جفن بين منتجات دوائية مزوّرة وتواريخ مزيفة يبتلعها المواطن ويموت بعدها..!

لبنان، الذي لطالما عُرف بـ”مستودع الدواء” النوعي في الشرق، وبوابةً يتوافد إليها المرضى والطلاب والسيّاح من دول الجوار طلباً للعلم والشفاء، انقلبت فيه المعادلة رأساً على عقب، وتحوّل من مركز موثوق إلى ساحة شبه فوضوية تُباع فيها صحة الناس تحت الطاولة، وتُهرّب فيها الأدوية المدعومة إلى خارج الحدود، ويُروّج فيها لمنتجات دوائية مزوّرة تحمل ملصقات أصلية وتواريخ مزيفة، لتُمرّر عبر قنوات رسمية، وكأن شيئاً لم يكن!

نقيب الصيادلة يكشف: أدوية فاسدة في السوق

إلى متى غياب المسؤولين والمسؤولية… إلى متى غياب النخب والمثقفين الحقيقيين من الحياة العامة والدفاع عن الناس بأقلامهم وأصواتهم الصارخة الصارمة؟!… لماذا انحدار الخطاب الثقافي إلى هذا الحد الكبير والتراجع المخيف؟!… لماذا كل هذا التراجع في دور المثقف العام؟!… لماذا فقد المثقفون مكانتهم في التأثير على الرأي العام والسياسة؟!

في ضوء هذه المعطيات، يوضح نقيب الصيادلة في لبنان، الدكتور جو سلوم، في حديث للإعلام، أنّ “موضوع الدواء المهرّب والمزوّر، والأدوية ذات النوعية السيئة، بالإضافة إلى الدواء المدعوم الذي كان يُهرَّب إلى خارج لبنان على حساب صحة المرضى، لا سيّما مرضى السرطان، ليست مسائل جديدة بالنسبة إلى نقابة الصيادلة، وبشكل خاص بالنسبة إليّ شخصياً. فمنذ تولّينا مهامنا في النقابة قبل أكثر من ثلاث سنوات، بادرنا إلى فتح ملف تهريب الدواء المدعوم إلى الخارج، وفقدانه من الصيدليات”.

ويضيف: “كذلك فتحنا قضية الدواء المهرّب، الذي كان يدخل إلى لبنان من عدة بلدان، عبر المرافئ الشرعية وغير الشرعية، إلى جانب مسألة دقيقة وحسّاسة لا تقلّ أهمية، تتمثّل بالعلاجات المتدنّية الجودة التي كانت تُسجّل في فترات سابقة في وزارة الصحة، الأمر الذي كان يؤثر سلباً في حياة المرضى، وكذلك على مستوى الدواء في البلاد وصورة لبنان التي نؤمن بها”.

إلى متى غياب النخب والمثقفين الحقيقيين من الحياة العامة والدفاع عن الناس بأقلامهم وأصواتهم الصارخة الصارمة؟ لماذا انحدار الخطاب الثقافي إلى هذا الحد الكبير والتراجع المخيف؟

من المثقف النقدي الموظّف: أزمة دور أم استقالة ضمير؟

كيف ولماذا تحوّلت النخب والمثقفون من أصحاب مشاريع فكرية مستقلة في الدفاع عن الناس ومصالح الناس إلى مجرد “خبراء” تقنيين يخدمون مؤسسات الطبقة الحاكمة أو الدولة أو السلطة أو السوق؟!… ولماذا تحوّلت الجامعات إلى مؤسسات (نفعية) تُعلي من المهارات الوظيفية على حساب التفكير النقدي والمصلحة الوطنية؟!… وكيف فقد التعليم العالي طموحه التنويري، وأصبح يُنتج خرّيجين لا يهتمون بالأسئلة الوجودية والقيم العامة والناس ومصلحة المجتمع؟!…

ولماذا (الاستسلام للثقافة الشعبوية) وتخلّي النخب والمثقفين عن الدفاع عن (القيم العليا للثقافة)… الثقافة والمثقفون الذين يقودون الجماهير بدلاً من أن يكونوا وراءهم، بدلاً من أن يُسايروا الذوق العام والشعبوية؟!… وكيف أصبحت الثقافة ترفيهية بدل أن تكون (ناقدة وبنّاءة)؟!… ما أقوله ليس حنيناً إلى الماضي أو نخبوية أو ثورة كما يحب أن يعتقد البعض المريض… ولا حنيناً إلى “المثقف السلطوي”، بل دعوة إلى (بعث دور المثقف النقدي المستقل) إلا في حقوق ومصالح المجتمع والناس…

يتابع نقيب الصيادلة، بأسف: “طيلة الفترة الماضية، لم تكن هناك آذان صاغية، ولا خطوات فاعلة بالمستوى المطلوب، لا سيّما فيما يتعلق بوقف نزيف الدواء المدعوم، مثل أدوية مرضى السرطان، الذين اضطرّوا إلى التوجّه نحو السوق السوداء وشراء الدواء المهرّب”.

ويكشف أنه: “كانت هناك عمليات تكديس للدواء المدعوم داخل مستودعات خاصة، من قبل أشخاص بلا ضمير، تمهيداً لتهريبه إلى خارج لبنان، من دون حسيب أو رقيب”.

ويشير سلوم إلى أنه “اليوم، يبدو أنّ هناك صحوة ضمير، لا سيّما في (ظل العهد الجديد)، عهد القوانين. ولهذا، وضعنا في نقابة الصيادلة كل ما لدينا من معلومات ومعطيات، ضمن مسار النضال المستمر، بتصرّف الأجهزة القضائية والأمنية، للمساعدة في أي معلومة أو تحقيق يمكننا مؤازرته”.

ويقول في ختام حديثه: “لقد وضعنا أنفسنا بالكامل بتصرّف الجهات المعنية، لأننا نعتبر أن من حق المريض أن يحصل على دواء جيّد ومدعوم، ومن واجبنا أن نوفّر له الأنواع ذات الجودة المرتفعة، لا أن نترك هذا الملف الحيوي مرتعاً لتجّار المافيا، الذين استفادوا من تهريب الدواء المدعوم، ومن تسجيل أدوية سيئة الجودة في البلاد”… البلاد التي أصبحت بدل عن ضائع!

النقيب سلوم: كانت هناك عمليات تكديس للدواء المدعوم داخل مستودعات خاصة، من قبل أشخاص بلا ضمير، تمهيداً لتهريبه إلى خارج لبنان، من دون حسيب أو رقيب

خلاصة الكلام، أيها السيدات والسادة، إن المجتمعات التي لا تستمع لمثقفيها أو خسرت مثقفيها تصبح أكثر عرضة للتفاهة الفكرية والانقياد إلى العبودية “المقدسة”… والمثقف يجب أن يبقى (صوتًا نقديًا مستقلاً) لا يُطوّع للسلطة أو السوق أو الرأي العام السطحي… مهمة المثقف في النقاش حول دوره في العصر الحديث، حيث تراجع المثقفون عن المشاركة الفعّالة في الحياة العامة، وتحوّلوا إلى مجرد “خبراء” يخدمون المؤسسات، بدلًا من أن يكونوا صوتاً نقدياً مستقلاً لا يخضع إلى هذا… ولا يخضع إلى ذاك… بل إلى المصلحة الوطنية العامة…!

اقرا ايضا: لقاء نواف سلام و«حزب الله»: محاولة احتواء أم بداية تسوية؟

السابق
اجتماع حكومي مع صندوق النقد: خطة إصلاح مالي واقتصادي قبل الخريف
التالي
أزمة اليسار اللبناني من انهيار الاتحاد السوفياتي إلى ما بعد 14 تشرين: محاولة في التشخيص وإمكانية التجديد