إن خبايا قديمة كشفتها خطبة سماحته الاخيرة، رغم سقوط ورقة التوت عن اتفاق الطائف عند انسحاب قوات النظام السوري في 26 نيسان 2005 وانكشاف المستور الذي رافق ولادة وثيقة الاتفاق الوطني اللبناني في الطائف في العام 1989 رغم ذلك لم يحصل ان بانت الامور على حقيقتها كما هي بعد خطبة الشيخ قبلان الاخيرة.
فقد تواردت في حينها ما كان يدور في بعض الاروقة السياسية لتمرير الاتفاق.كما هو معلوم فان اكثر من قوة فاعلة على الارض رفضت الاتفاق، لنبدأ اولا بالشيعية السياسية الحديثة والذي كان رمزها القوي حينها نبيه بري الذي تحفظ على الاتفاق لانه لا يعطي للطائفة الشيعية حقوقاً في النظام اللبناني الجديد يوازي دورها المستجد ولا يوازي خاصة ما قدمته من تضحيات في الحرب الاهلية، باختصار فان الذي جعله يقبل بالاتفاق على مضض هو التعهد الشخصي من الرئيس السوري حافظ الاسد بتحصيل حقوق الشيعة عملياً في السلطة، اي اثناء التنفيذ العملي لمندرجات الاتفاق، وهذا ما حصل فعلياً اثناء مرحلة الهيمنة السورية على لبنان، فقد كان الرئيس الاسد وفياً بتعهداته للرئيس بري.
اقرأ أيضاً: «المفتي الممتاز» يهبط إلى درجة «المفتي غير المقبول»!
ثم ان الرئيس السوري فعل الشيء نفسه مع المُعترض الثاني وعنيت به وليد جنبلاط، وبهذه المناسبة فقد تسرب عن اللقاء بين الزعيم الدرزي والرئيس السوري عبارة تفيد ان الثاني قال للاول ان هناك شفرة دولية آتية على المنطقة، من سيقف بمواجهتها ستُقَص رقبته وهي ذات الشفرة التي اتت عام 76 ووقف والدك ضدها وانت تعرف ماذا حلَّ به، من جهتي قررت ان لا اواجهها ويعود لك انت قرار مواجهتها ام لا، بالمقابل ان وقفت بصفنا فانا اتعهد لك بما تعهدت به لصديقك نبيه بري. ايضاً من المعروف ان وليد بك حصل على امتيازات في الحُكم الذي اعقب تنفيذ اتفاق الطائف.
حقيقةً ان الحليفين اللدودين جنبلاط وبري كانا يُفضلان الاتفاق الثلاثي الذي اسقطه سمير جعجع برعاية البطريرك صفير آنذاك في العام 1986، بحيث ان الاتفاق الثلاثي يمنحهم دورا اكبر بالنظام الجديد،من هنا تنبع معارضتهما لاتفاق الطائف.علماً ان النظام السوري قد سحب من اتفاق الطائف الوصفة الدولية والعربية ليستبدلها بالوصفة السورية والتي استمر العمل بها حتى انسحاب جيشه في العام 2005 ولم يؤثر اندحار جيش العدو الاسرائيلي في العام الفين والذي ادى الى تعاظم النفوذ الإيراني، لكنه لم يقلل من نسبة الهيمنة السورية على الحياة السياسية اللبنانية، لا سيما ان النصر على العدو في حينه قد أُهدي للرئيس السوري.بيد ان انسحاب جيش النظام السوري في العام 2005 بالظروف التي احاطت به والتي فاجأت الجميع، قد وضعت حزب الله بما يمثل داخلياًً واقليمياً في الدور الذي كانت تشغله الهيمنة السورية على لبنان، لا بل وضعته امام مسؤولية اكبر باعتباره قوة لبنانية وازنة.
بناءً عليه انكشف المستور وانكشفت اعتراضات بري سابقاً على اتفاق الطائف ليحملها غريمه الشيعي الذي حل محل الداعم لنفوذ الطائفة في السلطة.والحق يُقال ان حزب الله افصح عن نواياه وعن اهدافه بهذا الاطار، فقد مهَّد بدايةً انه من الممكن مناقشة قضية السلاح والاستراتيجية الدفاعية عند قيام الدولة القوية والقادرة والعادلة، مما يعني ان التفسير المنطقي هو تعديل اتفاق الطائف نحو اعتماد المثالثة، فقد تم سحب التفسيرات خشية من ان تؤدي الى عرقلة مساعي الحزب للتفاهم مع التيار العوني، لان المثالثة ستكون على حساب المسيحيين.ثم تطور موقف الحزب مع جملة متغيرات منها فرط عقد قوى الرابع عشر من آذار، وصار التيار تحت السيطرة والاهم هو الخشية من تطورات اقليمية تودي بنفوذه وبسلاحه مما جعله يُفصح عن الهدف الرئيس وهو الدعوة لانعقاد مؤتمر تأسيسي مما يجعل الامور خارج اطار الشك من الاساس هو الغاء او تعديل اتفاق الطائف. في سياق هذا التدرُج اتت خطبة المفتي قبلان الرمضانية لتضع النقاط على حروف من لا يُجيد القراءة وفي الطليعة منهم التيار الوطني الحر، وهو بذلك انه يُعبر عن موقف الشيعية السياسية بطرفيها، وبالتالي فان لا جديد فيها سوى توقيتها الذي اتى بعد موقف التيار العوني الذي اراد اللعب والزكزكة فاخذه الثنائي الى اللعب على حافة الهاوية.

