إضرابات وإعتكافات على هامش الموازنة.. من المسؤول؟

يشهد لبنان منذ بداية الحديث عن الموازنة ومناقشتها في مجلس الوزراء ، تحركات وإعتراضات على خلفية ما ذكر عن الإصلاحات المزمع تطبيقها من خلالها والتي قد تمس الرواتب والمخصصات للموظفين والمتقاعدين.

الملفت هنا أن هذه التحركات والإعتراضات لم تصدر عن ذوي الدخل المحدود من العمال والذين غالباً ما يتحملون عبء ما يسمى الإصلاحات الإقتصادية بإعتبارهم الحلقة الأضعف في نظام إقتصادي يتخذ من الرأسمالية سبيلاً له، بل تصدر عن فئات ثلاث ترى أن هذه الإصلاحات المزعومة قد تمس بمكتسباتها. هذه الفئات هي القضاة والمتقاعدون من العسكر وأساتذة الجامعة اللبنانية مع ما تمثله هذه الفئات الثلاث من معنى ورمز لقيام مجتمع عادل وقوي ومتعلم.

لن ندخل هنا في تفاصيل الإعتراضات ولا تفاصيل الإصلاحات الموعودة لأننا لسنا من أهل الإختصاص، ولكن سنقارب الموضوع مقاربة أخرى من منطلق وطني وسياسي وأخلاقي. نسارع لنقول أن الهدف ليس التصويب على هذه الفئات بكل ما تضمه من أفراد ومجموعات، خاصة وأنها مثل كل فئات المجتمع فيها الصالح وفيها الطالح، فيها المسؤول الذي بيده القرار والذي هو قد يكون جزءا من هذه الطبقة السياسية الحاكمة والمتحكمة وفيها الأفراد العاديين الذين لا حول لهم ولا قوة. ما نريد قوله بكل محبة بأن المؤسسات الوطنية التي ينتمي إليها هؤلاء المحتجون والمعتكفون ليست بأحسن أحوالها وهم بذلك يتحملون جزءا من المسؤولية عما أصابها جراء خضوع البعض ممن تولى أمورها سابقاً ولاحقاً للسلطة السياسية ما أضعف هذه المؤسسات وجعلها مطية للبعض من الأطراف السياسية يتدخلون بها ويتحاصصونها بلا أي رادع، ويمارسون وصايتهم وسلطتهم عليها.

اقرأ أيضاً: 1700 طالب يدفعون الثمن.. و«ضو أخضر» من بري لشهيّب!

لا يختلف إثنان على ما أعتقد بأن القضاء ليس بأحسن أحواله وأنه يعاني في بعض مواقعه من الفساد وهذا ما نسمعه بشكل يومي تقريبا من كثير من السياسيين وفي الإعلام، وهذا لا يعني أنه لا يوجد قضاة جيدين غير فاسدين وأصحاب ضمير حي، فلو كان القضاة بغالبيتهم مثلا وقفوا ضد تدخلات السلطة والسياسيين في القضاء وحافظوا على حد معقول من الإستقلالية والصمود والتكاتف بوجه الممارسات الغير مسؤولة ربما لم نكن لنصل إلى هذه الحال فمن المعروف أنه إذا صلح القضاء صلح الحكم.

وما يقال عن القضاء يقال أيضا عن العسكر بكل مؤسساته العسكرية والأمنية التي على الرغم من الجهود الجبارة التي تقوم بها وما تتحمله من عبء يجعلها المؤسسات الوحيدة التي يوليها الناس بعض الثقة، ولكن الوضع السياسي أيضا والخلافات بين الأفرقاء ربما جعلها عاجزة بعض الشيء عن ممارسة مهامها كاملة في ظل وجود سلاح خارج سيطرتها ما يضعها في بعض الأحوال في وضع غير مريح دون أي إعتراض من قبلها على هذه الأوضاع ربما بسبب من مناقبيتها العسكرية وخضوعها للسلطة السياسية كما هو منصوص عنه في الدستور. كذلك الحال في الجامعة اللبنانية التي تحولت في كثير من الأحيان إلى مراكز دينية للإحتفالات والنشاطات البعيدة كل البعد عن دورها كصرح أكاديمي تعليمي جامع لكل أطياف المجتمع لدرجة باتت فيها بعض الكليات محميات طائفية ومذهبية، كل هذا دون أن نسمع صوتا جريئاً واحداً يعترض على هذه الممارسات الغير سوية وكان شعار الجميع هو من بعدي الطوفان للأسف الشديد بينما نجدهم اليوم يرفعون الصوت ويدخلون في إضراب متواصل مثلهم كمثل القضاة والضحية دائما هم الناس والطلاب ومصلحتهم التي باتت رهينة التجاذبات في دولة وسلطة فاسدة عاجزة عن أن تضع الأمور في نصابها الصحيح عبر إصلاح العمل في كل المؤسسات لتقوم كل مؤسسة بدورها الطبيعي المنوط بها في خدمة الناس بعيداً عن الضغوطات والتدخلات التي تقلب الأبيض أسود والعكس صحيح.

اقرأ أيضاً: ماذا فعلتم للحفاظ على اليد العاملة اللبنانية في الضاحية؟

نعيد ونكرر بأننا لسنا بوارد التطاول على أحد أو بخس الآخرين حقوقهم وجهدهم فنحن على قناعة تامة بأن المسؤول الأول والأخير هو هذا النظام السياسي العفن ولكن هذا لا يعفينا من المسؤولية كمواطنين علينا واجب التضامن والتصدي لكل ما من شأنه تعريض مستقبلنا ومستقبل أولادنا للخطر، سواء كان فلتانا أمنياً وسلاح غير شرعي، أو قضاء مسيسا ومدجن يخضع للضغوطات، أم جامعة وطنية تضيع من بين أيدينا وتصبح “جامعات” متعددة كل فرع منها تابع لطائفة أو مذهب أو تنظيم.

آخر تحديث: 14 يونيو، 2019 3:58 م

مقالات تهمك >>