جمهورية العصبيات ورئيس توزيع الجبنة

بماذا يبشرنا الجنرال عون سواء وصل إلى الرئاسة أو لم يصل؟ هل بافتتاح زمن الميليشيات الطائفية؟ أم بزج خيرة شبابه وشباب لبنان في حروب المنطقة؟
اعلان

 يصحّ القول في أوضاع ملف الرئاسة اللبنانية اليوم أنّنا بتنا نعيش كلبنانيين مزيداً من مظاهر الإنهيار السياسي للدولة اللبنانية، بل يمكن ملاحظة أنّ الديمقراطية أو الانتخابات ما عادتا من شروط وقواعد اللعبة السياسية بين أطراف السلطة وتوابعهم. مع إدراكنا أنّ هذا الشكل الديمقراطي منتهك أصلاً بقواعد مصادرة الطوائف والمذاهب وبسلاح “المقاومة”، على حساب خيار المواطن الفرد.

نجحت القوى السياسية على اختلاف توجهاتها في جعل الصراع بين حصص الطوائف والمذاهب، بين ادعاءات الغبن واتهامات الغلبة، وصولاً إلى الميثاقية التي انتبه أنصار التيار الوطني الحر إلى أنّها منتهكة، ليس بالقتال في سوريا رغماً عن اللبنانيين، ولا في مأساة غياب التيار الكهربائي أو انقطاع المياه وأزمة النفايات، ولا في الأضرار بمصالح لبنان مع الغرب والشرق، أو في تسول اللبنانيين حقوقهم الإنسانية وتحويلهم إلى قطعان طائفية ومذهبية… الميثاقية تهددت فقط باحتمال عدم انتخاب العماد ميشال عون رئيساً للجمهورية. سنتان ونصف السنة تقريباً بلا رئيس للجمهورية بسبب عدم حضور نواب التيار الوطني الحر وحزب الله والمرشح سليمان فرنجية جلسات الانتخاب. فرنجية الذي اكتشف أخيراً، ولا نعرف كيف، أنّ وصول الجنرال ميشال عون إلى سدة الرئاسة صار مظلمة له.

 بفضل مصادرة الدولة وتهميشها، بفضل تعطيل انتخابات الرئاسة كل هذه المدة، وبقوة الاستهانة بالدستور والقوانين، وقوة المحاصصة بين أطراف السلطة على حساب الدولة، تحوّل اللبنانيون إلى كائنات مسلوبة الإرادة إلاّ من العصبية المذهبية أو الطائفية والحزبية. وصار الخطاب السياسي مسكوناً بالنكايات. لا مشروع أو فكرة سوى العصبية التي باتت سلاحاً وحيداً لتوجيه الرسائل والتعبير عن الوجود والقوة والفاعلية. ليس انتخاب العماد ميشال عون هو المشكلة ولا انتخاب سليمان فرنجية هو الحل ولا سواهما بالتأكيد. فالأزمة تجاوزت هذه الخيارات التي لم تعد تقدم أو تؤخر في الانهيار الذي يتجه إليه لبنان.

ميشال عون

القوى السياسية وعلى رأسها الجنرال ميشال عون بات معيارها الحصة التي يكسبها كل طرف من جبنة الدولة، أمّا الدستور والقوانين فهي قابلة للتطويع أو الكسر من أجل هذه المحاصصة. ليس الخلاف اليوم بين القوى السياسية حول كيفية إعادة الدولة سيادتها وسبل تطبيق القانون. العماد ميشال عون والرئيس نبيه يختلفان على الحصص. ليس على سياسة لبنان الخارجية أو الداخلية أو سوى ذلك من خطط التنمية. الخلاف ينحسر في تناتش وزارة الطاقة أو المالية، أو الحصة في مجلس الوزراء. مقتضى الوفاء للأمين العام لحزب الله أن يمدح الجنرال عون كما فعل أوّل أمس. رمز الوفاء السيد حسن نصرالله، لكن على حساب لبنان وسيادة لبنان وعلى حساب الدستور. “إنّه يضحي بخيرة شبابه من أجل حماية لبنان”، قالها عون مستهيناً بكل الذين يرفضون أن يعطي حزب الله نفسه الحق بالقتال في سوريا واليمن والعراق. فهل هذا دفاع عن لبنان؟

إقرأ أيضاً: لن أنتخبه رئيساً للجمهورية

بماذا يبشرنا الجنرال عون سواء وصل إلى الرئاسة أو لم يصل؟ هل بافتتاح زمن الميليشيات الطائفية؟ أم بزجّ خيرة شبابه وشباب لبنان في حروب المنطقة؟ المؤسف أنّ الكلام بات يطلق على عواهنه، والقوة والانسحاق أمام سطوة السلاح تتفوق على احترام الدستور، وشهوة السلطة كفيلة بأن تطوي كل ما هو دستور وقانون وسيادة… ما همّ؟ ما دامت قطعان البشر تُساق إلى حتفها كالثيران يستثيرها أحمر العصبية الجاهلية. لم يعد لدى رموز الطبقة السياسية ما يقدمونه للناس سوى إثارتهم. الاستنفار بين عصبيتي أمل وحزب الله اليوم لا يقوم لسبب يتصل بالفساد أو بسرقة المشاعات أو بسبب أزمة البطالة أو تراجع فرص العيش بالحدّ الأدنى أو بسبب قضية معيشية، الاستنفار بسبب شعارات مذهبية تتصل بمن مع التطبير ومن ضدّه؟ لهذا الحد وصل الصراع السياسي والتنافس وغابت القضايا الحيوية… والآتي أسوأ.

إقرأ أيضاً: عون للسنّة: أحبكم!

العونيون مع نصرالله أينما ذهب، ولو ذهب بلبنان. والرئيس سعد الحريري مع انتخاب العماد ميشال عون رئيساً للجمهورية ولو ذهب ذلك به وبوجوده السياسي. سلوكه أقرب إلى سلوك اليائس منه إلى سلوك الطامح لإستعادة وهج قضية الدولة أو العبور اليها. وفي أحسن الاحوال هو مستسلم لإدارة لعبة المحاصصة. وقد صار عليه أن ينتخب الجنرال ميشال عون، وعلى فريق الممانعة أن يتدلل ويتغنج ويتردد كما يشاء وبلا خجل. الدولة اللبنانية في مهب الخطر كما اوحى النائب وليد جنبلاط بتغريدته أمس: “الله يستر”. فعندما تنعدم قواعد الدولة وشروطها وتنتفخ المذاهب والطوائف بجشع من يسمون زعماء، حينها لا يلومن اللبنانيون إلاّ انفسهم الأمارة بسوء الإنقياد إلى من يغامرون بما تبقى من دولة لبنان.

السابق
عون للسنّة: أحبكم!
التالي
سقوط قائد عسكري لحزب الله في معارك حلب