قد يكون صحيحاً أنّ حلفاء الرئيس سعد الحريري “آخر مَن يَعلم” في تقاربه مع العماد ميشال عون. فالحريري يمتلك هامشاً “فضفاضاً” للمناورة، في غفلة من الحلفاء. والتجارب شاهدة. أمّا القول إنّ حلفاء عون “آخر مَن يَعلم” بالتقارب مع الحريري، فهذا يصعب تصديقه.
الهامش الذي يتحرّك فيه عون، خارج الدائرة، لا يتّسع للقاء “سرّي” في إيطاليا، أو “مراسيل” إلى دبي، أو حتى مكالمات ذات طابع إجتماعي. و”تفاهم” الحريري – جعجع لا يشبه “تفاهم” عون – “حزب الله”. ولو كانت التحالفات في “8 آذار”، كما في “14 آذار”، “ليبرالية” إلى حدِّ التناقض والمخادعة أحياناً، لما حقّق “الحزب” مكاسبه.
حتى اليوم، كان هامش عون مع حلفائه كالآتي: أنتَ تحصل على المكاسب، والباقي لنا، ووفقاً للمقولة الشهيرة، “أنت لا تفكِّر، نِحنا منفكِّر عنَّك. كولْ وشْراب ونام و… طَنِّش! ولذلك، حصل عون على الحصص في المجلس والحكومات فوق حجمه. وتبرَّع “الحزب” له بمقاعده، وبوزارات “دسمة”، لكي “يطنِّش”. فليس له أن يتدخّل في القرارات “الإستراتيجية”، المحصورة بـ”الكبار” السنّة والشيعة، تحت غطاء سعودي – سوري وإيراني.
لذلك، لم تتحقّق طموحات عون “الوجودية”. ومرّت رئاسة الجمهورية عليه في 2005 و2008، وعلى الأرجح ستمرّ في 2014… إمّا بسبب تطيير الإستحقاق وإمّا بسبب إختيار “توافقي”. فالطبخة الكاملة للحكومة والرئاسة والمجلس النيابي أكبر من أن ينجزها ضوء أخضر من عون والحريري. إنّها لعبة الإقليميّين و”حزب الله”.
لذلك، إنّ الغزل بين عون والحريري لن ينتهي باكتمال الأفراح. والأفراح تعني للثنائي أن يكون عون رئيساً للجمهورية 6 سنوات، ومعه الحريري رئيساً للحكومة… وهذا لا يتحقّق إلّا ضمن سلّة واحدة، تشمل تركيبة حكومية يرضى عنها “حزب الله”، ومجلساً نيابياً يبقى الرئيس نبيه برّي على رأسه أيضاً، أي في اتّفاق دوحة جديد.
لا ملامح لصفقة حاليّاً. ولكن حتى ولو حصلت معجزة الصفقة، فهي على الأرجح ستأتي برئيس توافقي على غرار التوافقي الحالي، ولا مكان فيها للجنرال عون. وأمّا رئاسة الحكومة فقد تُعرَض على الحريري، ولكن هل يَسمح له خوفه على سلامته الشخصية بأن يتسلّمها؟ وهل سيغامر، ويكتفي بالإتفاق السياسي، لكي يعود مطمئناً إلى بيروت وسراياها؟
الواضح أن لا عودة الحريري إلى السراي متوقّعة في المدى المنظور، ولا وصول عون إلى بعبدا ممكن أيضاً. وهناك مفارقة مثيرة: كيف يريد عون بلوغ بعبدا لمجرّد الاتّفاق مع الحريري، فيما الحريري لا يستطيع بلوغ السراي؟
ما يجري بين عون والحريري لا يعدو كونه دوراناً في الهواء، في الوقت الضائع نحو التسوية الشاملة أو الفوضى الشاملة. وفي الحالين، ليست الكلمة لا للحريري ولا لعون. وفي أيّ حال، بعد الطائف، تبيّن أنّ المرشّح لرئاسة الجمهورية “قوّتُه في ضعفه”، وأنّ الظروف السياسية والأمنية هي الناخب الأكبر للرئيس.
فعلى رغم عرض القوّة الذي أظهره “حزب الله” في 7 أيّار 2008، فإنّ حرب نهر البارد 2007 هي التي رجّحت وصول الرئيس ميشال سليمان. واليوم، يبدو لبنان أمام تطوّرات خطرة جدّاً قد تمزج بين 7 أيّار جديدة ونهر بارد جديد، يلعب فيها الجيش دوراً أساسيّاً. وإذا جرت الانتخابات الرئاسية، فقد تفرض التطوّرات رئيساً، ويخسر عون فرصته الأخيرة في الوصول إلى القصر.
وثمّة اعتقاد بأنّ “حزب الله” أعطى حليفه المسيحي ضوءاً أخضر لمفاوضة الحريري، وينفِّس احتقانه المتزايد في الفترة الأخيرة. وعندما تفشل المفاوضات ويحترق عون، سيكون قد احترق على يد الحريري. وسيكون “الحزب” قد أنقذ نفسه، للمرّة الأخيرة، من ورطة الوعد المقطوع لعون بإيصاله إلى الرئاسة، وتجنّب أن يسجِّل على نفسه أنّه هو الذي أحرق الحليف المسيحي المدلّل، والسريع الزعَل، ووفّر على نفسه تبعات هذا الموقف.
وهذا ما فعله “الحزب” قبل أشهر، عندما بقي يعلن “دعماً غامضاً” لعون في مشروع “اللقاء الأرثوذكسي”، إلى أن سقط المشروع بنيران غير صديقة. عندئذٍ، رَجِع عون إلى “نسبية” “حزب الله” وأحضانِه راضياً مَرْضِيّاً.

