الوزير الأسبق للثقافة في لبنان المتابع من زمان ومن قرب السياسات الدولية وانعكاساتها الاقليمية الدكتور غسان سلامة، قال ليل الاثنين الماضي في مقابلة تلفزيونية: “تبدأ اهتمامات أميركا بأفغانستان وتمر بإيران والإرهاب وفلسطين وتنتهي بسوريا”. وأضاف: “إن مرتبة الأخيرة في الأولويات الأميركية هي الخامسة”. وكان موضوع الحوار في تلك المرحلة من المقابلة الحرب الدائرة في سوريا بين الثوار والنظام وبين الثوار أنفسهم وخصوصاً بعدما دخلت عليهم منظمات إسلامية أصولية متشددة.
لماذا الإشارة إلى أقوال سلامة؟
طبعاً ليس للقيام بدعاية له لا يحتاج إليها. ولكن لدعوة اللبنانيين الذين يصرّون على استمرار لبنان في صدارة اهتمامات أميركا والذين منهم يتساءلون عن سبب امتناع وزير خارجيتها جون كيري عن زيارة بيروت منذ وصوله إلى موقعه الحكومي، إلى الاقتناع بأن بلادهم لم تعد إحدى أولويات الدولة الأعظم في عالم اليوم. فإذا كانت سوريا التي سقط من شعبها وخلال أقل من ثلاث سنوات قتلى وجرحى ومعوّقين أكثر مما سقط في لبنان خلال نيف و15 سنة من الحروب تحتل المرتبة الخامسة في الأولويات الأميركية، فكيف يريدون أن تكون بلادهم أولوية هي التي برهن شعبها (شعوبها) وطوائفها ومذاهبها وأحزابها وتياراتها وقادتها وزعماؤها ورؤساؤها (في لبنان ثلاثة رؤساء) الرسميون ورؤساؤها الفعليون أنهم عاجزون عن تنفيذ اتفاق وضعوه أو وُضع لهم لإنهاء حروبهم، وعن بناء دولة، وعن الانتماء إلى وطن مُفضِّلين عليه انتماءات مختلفة ومتناقضة. صحيح أن الخارج كان مسؤولاً عن العجز المشار إليه لأن مصالح أطرافه على تنوّعهم كانت تتناقض مع استعادة لبنان عافيته. لكن الصحيح أيضاً هو أن اللبنانيين هم الذين “جلبوا الدب أو الدببة إلى كرومهم” كما يُقال. فصار بعضهم أسيراً لها، في حين استعذب بعضهم الآخر الارتماء في أحضانها معتقداً أنه بواسطتها سيحقق أهدافه. وهو بذلك أظهر ويُظهر أنه لم يقرأ جيداً تاريخ لبنان، وخصوصاً الحديث منه، وأنه لا يريد أن يتعلم من تجارب الماضي. علماً أن الذين يشعرون بـ”الأسر” لم يتعلّموا الكثير ايضا مع قادتهم والزعماء.
انطلاقاً من ذلك فان السؤال الذي قد يتبادر إلى أذهان الأميركيين هو: لماذا يأتي كيري إلى لبنان إذا كان قرار بعضه الرسمي سوري – إيراني، وقرار بعضه الآخر حائر وضائع بين سوريا وإيران من جهة والمملكة العربية السعودية وأميركا من جهة أخرى، وكذلك إذا كانت شعوبه منقسمة بين الدول المذكورة؟ والسؤال الآخر الذي يتبادر إلى أذهانهم: لماذا يأتي إلى لبنان؟ هل ليسمع محاضرة من مرجع وشكوى من آخر ونقّاً من ثالث، أو ليسمع أكثر من لغة من كل منهم في وقت واحد؟
طبعاً لا يعني ذلك أن أميركا لا تهتم للبنان. فمن منطلق حرصها على أمن إسرائيل “تهتم” بـ”حزب الله” وخطره عليها قديماً وحالياً. وتهتم بالأصوليين المتطرفين الذين تسميهم إرهابيين، والذين يشكلون خطراً أكبر عليها إذا انتشروا على مدى لبنان وصارت لهم كلمة فيه، علماً أن اهتمامها بـ”إرهاب” هؤلاء يتجاوز إسرائيل إذ هو نابع أساساً من حرص على أميركا نفسها وعلى العالم كله. والاهتمام المثلث هذا يدفعها إلى نصح “شعوب” لبنان بعدم دفع بلادهم نحو التفجير أي بعدم نقل الحرب السورية الشاملة إليها بعدما صارت جزءاً منها. فذلك يدمِّرها ولن يدفع أحداً في العالم إلى إنقاذها، وتصبح مضطرة إلى انتظار سنوات طويلة لحل أزمة سوريا وربما لقيام نظام إقليمي جديد.
لهذا السبب يتحرك السفير الأميركي في لبنان ديفيد هيل في الداخل لإقناع الجميع بحكومة متوازنة وإن ضمَّت من تعتبره دولته منظمة إرهابية، وللسبب نفسه زار السعودية والتقى زعيم “المستقبل” الرئيس سعد الحريري، وللسبب إياه زارها مرة ثانية والتقى على الأرجح مسؤولين سعوديين. ألا يعبِّر ذلك عن اهتمام؟ أم أن اللبنانيين يريدون اهتماماً مماثلاً للذي عاشوه أواخر 2004 وفي نهاية الـ2006؟ علماً أنه لم يحقق لهم الكثير بسبب انقساماتهم، وبسبب رفض الشعب الأميركي التورط مرة جديدة ومباشرة في حروب شرق أوسطية. وكان ذلك أيام “المحارب” أو “الصقر” جورج بوش الابن. فما بالك بـ”الحمامة” كما يسمي الكثيرون باراك أوباما.
في النهاية ينزلق لبنان في سرعة إلى الهاوية، فهل يتخلّى رؤساؤه وزعماؤه عن طموحاتهم الشخصية والسياسية أم يتمسكون بها فتطير البلاد ويتفتّت الكيان ولا نقول تنهار الدولة ومؤسساتها لأنها انهارت من زمان؟

