يهدد ادوارد سنودن الموظف المنشق عن وكالة الاستخبارات الاميركية بكشف مجموعة جديدة من الوثائق عن التجسس الاميركي “ستحدث هزّات كبيرة”، لكن بعد الفضيحة التي اكدت ان اميركا تتنصت على هواتف عدد كبير من زعماء العالم، وان هاتف انغيلا ميركل تحت المراقبة منذ عام 2002، لم يعد هناك من مجال لا للاستغراب ولا للهزات، ربما لأن طبيعة العصر بعد ثورة الاتصالات والتقنيات المتطورة في شبكة التبادل الدولي والانساني، تجعل المرء يقف عارياً تماماً امام مجموعة واسعة من المراكز والمراجع التي تحصي عليه انفاسه.
إذاً عليك صديقي القارىء ان تقرر، إما ان تعيش مكشوفاً وعارياً شئت ام ابيت في المجتمع ومع الناس، وإما ان تنسحب لتعيش في احد الكهوف او تبتعد الى الادغال بعيداً من مستلزمات هذا العصر، كي لا اقول الحضارة، مع انني اصدق بالتالي انها فعلاً الحضارة وضريبتها، فلكل حضارة في التاريخ ضريبة انسانية!
أمس قال بيل كلينتون لقناة ” فيوجن” انه يتعين وضع قواعد للتجسس على القادة الاجانب، والتجسس عملية يقوم بها الجميع، ومن الواضح ان خصوصية المواطنين مخترقة، بما يعني انه لم يعد هناك من خصوصية إلا في الكهوف، ولست في حاجة الى ايراد عدد المخابرات والاتصالات التي راقبتها الاستخبارات الاميركية في آذار الماضي وهي بعشرات المليارات.
اذا كنت تملك هاتفاً فأنت مراقب واذا ملكت “كومبيوتر” انت مراقب، وآخر الهواتف التي يتم تشغيلها ببصمة اليد مثلاً ترتبط ببنك دولي لجمع بصمات الايدي، وهناك ايضاً بنك لبصمات العيون، واذا دخلت الى المستشفى او نمت في فندق او تلقيت تحويلاً او حولّت مالاً انت مراقب. وتؤكد صحيفتا “الواشنطن بوست” و”النيويورك تايمس” ان المواطن الاميركي مراقب حتى في الشارع عبر اجهزة معقدة للاستشعار الصوتي وكل حركة ترصد وتحوّل الى مرفق ضخم في صحراء “يوتا” حيث تقوم اجهزة “كومبيوتر” ضخمة بالتحليل الفوري.
للعلم فقط، تؤمن “ياهو” و”مايكروسوفت” و”غوغل” و”فايسبوك” و”يوتيوب” و”آبل” و”اي او ال” و”بالتوك”، بوابة خلفية للاستخبارات الاميركية للإطلاع على كل الاتصالات، وهذا يعني ان كل اتصال هاتفي على المستوى الكوني او دخول الى موقع الكتروني او حجز في فندق او شركة طيران هو تحت نظر “الأخ الأكبر” الاميركي، اضافة طبعاً الى عدد من الاخوة الآخرين “الصغار” في العواصم الكبرى!
عندما أثيرت الضجة اعتراضاً على التنصت على هواتف الزعماء الاوروبيين وهم حلفاء اميركا، علّق باراك اوباما بكلمتين: “أنتم ايضاً تتجسسون”، اما مايك روجرز رئيس لجنة الاستخبارات في الكونغرس، فقال: على الاوروبيين ان يشكروا اميركا لأنها تتجسس عليهم وتوفر لهم الحماية، وقد استطاعت إنقاذ ارواح الآلاف من الاميركيين والاوروبيين وغيرهم!

