حوارات
يلاحظ المراقب ما يحدث في بعض دول الربيع العربي من حجم الاعتماد على “الإعلام” كوسيلة دفاعية من طرفي النزاع. فالدول التي عانت المر من موجات الربيع العربي تستخدم الإعلام كسلاح لتفنيد مواقف و”مؤامرات” الطرف الآخر, ومن يطبلون ويهللون للربيع العربي يستخدمون الإعلام بطريقة أندادهم نفسها. ولكن الاشكالية في استخدام الإعلام كوسيلة دفاعية تكمن في امكانية حدوث التشويه المتعمد, وفي ضعف المهنية الصحافية والميل الى فبركة الحقائق والوقائع. فطرف معين في مأساة الربيع العربي يصور الطرف الآخر كعميل للغرب وكمروج فعلي للإرهاب أو كجزء من مؤامرة شريرة ضد الدولة والكيان الوطني. والطرف الآخر يستخدم التشويه الاعلامي لشيطنة بعض أنظمة الحكم.
وإذا كان ثمة سمة “يتميز” بها إعلام الربيع العربي فهي اعتماده أحياناً كثيرة على تشويه الوقائع, وعلى ضخ المبالغات وإذكاء عقلية المؤامرات! فهذا الاعلام لا يمكن وصفه بأنه إعلام “تحرري ومهني” ينقل الوقائع والحقائق الفعلية, ولكنه إعلام سياسي وفكري تأجيجي يمتلئ بالشعارات والشعارات المضادة, ويشابه في أحد جوانبه ما كان يستخدمه البلاشفة في بداية ثورتهم أثناء محاولاتهم ترسيخ الأفكار والأيديولوجية الشيوعية البائسة.
الربيع العربي ساحات معاركه أغلبها إعلامية, حيث تؤدي الكاميراً والميكروفون الغرض نفسه للأسلحة التقليدية. ومن هذا المنطلق, ولأن الإعلام الصحافي الرزين من المفترض أن يكون دائماً محايداً وقريباً من الواقع والحقيقة, نكتشف غالباً العكس, حيث يبرز البعد عن المهنية وتشويه الوقائع بغرض إقصاء أو تدمير وهزيمة الطرف المناوئ. ولعل التأجيج الملاحظ لأحدي القنوات الفضائية ذات الحضور الكبير في رياض الربيع العربي وفبركتها بعض الأخبار ومحاولة القيمين عليها عكس صور إعلامية أحادية ومن طرف واحد هو أحد الدلائل على أن معارك الربيع العربي تدار أولاً في إستوديوهات التصوير قبل أن تدار على أرض المعركة !
الدول والحكومات الوطنية تملك الحق في الدفاع عن نفسها, إعلامياً وأمنياً وعسكرياً, ضد الفوضويين والإرهابيين وضد مؤججي الفتن والقلاقل. فمعارك الربيع العربي بدأت عبر حملات إعلامية تأجيجية ضد الدول والحكومات وأشعلت الثورات المستحقة والثورات التآمرية والارهابية, ولذلك فلا ضرر على ما يبدو في زمن الربيع العربي أن يستعمل أحدهم كل ما بيده من أسلحة لفضح وكشف وتفنيد إرهاب وعدوانية وإقصائية الديمقراطيين المفبركين. فمن يُقصي الآخرين, إعلامياً وفكرياً, وعلى أرض الواقع المحلي, سيقع لاحقاً ضحية للأدوات والوسائل نفسها التي أستخدمها ضد من يختلفون معه.

