الدولة المنقسمة

أدت الحروب الأهلية في المشرق العربي (لبنان، العراق، سوريا، وجزئياً فلسطين) إلى انهيار الدولة الوطنية. فالنخب السياسية والاجتماعية التي سيطرت على هذه الكيانات الحديثة نقلت تكوينها العصبوي من المجتمع إلى الدولة تحت غلاف من عقائد وإيديولوجيات قومية أو وطنية ما لبث أن تمزق بانكشافه عن مصالح محدودة طائفية وجهوية وعائلية ونفعية. وإذا كان لبنان سباقاً في إظهار «اللبنانية المزعومة» هوية مصلحية طائفية، فقد أدت أزمته إلى بلورة الهويات الطائفية الأخرى بشكل صريح وواضح.
ولم يبرأ لبنان بعد عقدين من نهاية حربه الأهلية من نتائجها. فلا الوصاية العربية نجحت في إنتاج وحدة حقيقية، ولا التوافق على مبادئ ومسلّمات وصيغ إنشائية دعم ما كان يفترض أنه مشروع للاندماج الوطني بدلاً من التعايش المتنافر بين الطوائف والتيارات السياسية. ولا يزال العراق بدستوره الجديد وديموقراطيته التمثيلية يرزح تحت إرث محاولة التناوب بين العصبيات الطائفية على السلطة المركزية. وهو إذ تخفّف من ضغط المسألة الكردية وحذف أقليات صغيرة من المعادلة الاجتماعية والسياسية يقف على صراع ثنائية شيعية سنية قادرة على الاستمرار لسنوات طويلة. أما سوريا التي صاغ وحدتها الكيانية الانتداب الفرنسي ثم صاغ استقرارها السياسي نظام البعث بعد عقدين من الانقلابات والنزاعات الجهوية والسياسية، فقد انفجرت من داخلها قبل أن تلامس حرباً خارجية كما حصل في العراق أو تأثيرات طارئة كما كان العامل الفلسطيني في لبنان.
ولم يشفع انسجام المكوّن الفلسطيني الطائفي، ووحدة الاحتلال، وحال التهجير في تصليب وحدة وطنية انتهت إلى مجموعة من القبائل السياسية الحديثة مع تجربة «الفصائل المتعددة» بداية ومع سلطتي الضفة والقطاع المنفصلتين لاحقاً، وما بينهما عرب 48 والشتات.
يُقال إن المتغيّر الدولي هو الذي غيّر وزعزع النظام الإقليمي العربي. وعلى هذه الفرضية لا يزال هناك من يتعاطى مع المشكلات العربية على هذا المستوى دون سواه. ففي لبنان كان أهل النظام يتحدثون عن «حروب الآخرين» وعن مؤامرة التوطين، وفي العراق كانت المعركة مع أميركا رغم ما قدّم لها النظام من تنازلات، وفي سوريا من اللحظة الأولى كانت هناك «خيوط المؤامرة الخارجية القريبة والبعيدة». ولا زلنا بهذه البساطة ننسب إلى الخارج كل أزماتنا ومشكلاتنا، رغم أن أحداً من هذه الأنظمة وقادتها لم يعترف يوماً بأنه صنيعة كذلك لتلك المعادلة الخارجية، ما دامت مصائرنا كلها معلقة على سلطة الخارج وسياساته.
لكن هذه الحقيقة الجزئية لا تعفي أصلاً من مسؤولية النخب السياسية العربية الحاكمة ولا النخب العاملة على تغيير أوضاع إذا كانت عدّتها الأساسية عناصر الخارج كذلك. وفي كل مرة ترهن حركة سياسية لسيطرة أو هيمنة طرف خارجي لا مجرد الإفادة منه نكون أمام صراع محكوم بنتائج سلبية. ولطالما وجدنا لكل أزمة «رافعة تاريخية» بدلاً من أن نبني قاعدة سياسية شعبية كما هو حال معظم حركات التحرير والتغيير في العالم. ولأن مثل هذا الخطأ يتكرّر حين تنشأ حركات سياسية على الدعم الخارجي أيا كان شكله ومصدره، تتحول تدريجياً إلى منظومة مصالح سياسية مستقلة إلى حد بعيد عن مصالح المجتمع وحاجاته. ويكرّر التاريخ العربي الثقافة المملوكية التي قامت على العصبية العسكرية المتماسكة أو القوة الضاربة في وجه مجتمع مفتت أو عصبيات أخرى ضعيفة. وإذا كانت الحال كما نحن عليه في العراق وسوريا ولبنان فالدولة المنقسمة قائمة.

السابق
الثلث المعطِّل وقارئة الفنجان
التالي
واشنطن تتخلّص من أعدائها