يقول عائدون من دمشق إنّ ما يتناقله الإعلام عن الوضع في سوريا عموماً وفي دمشق خصوصاً يجانب الكثير من واقع الحال وممّا هو معاش فعلاً.
فزحمة السير في العاصمة لا تؤشّر إلى أنّ هذا البلد يعيش حال حرب. وطريقة البيع والشراء وحركة الأسواق لا تدلّ أنّ العاصمة تطلّ على حرب أو أنّها في دائرة عسكرية، كما يحلو للخارج تصويرها. وحتى في الليل، فإنّ الحركة عادية والمحالّ تفتح أبوابها والمقاهي تعجّ بالروّاد.
هذا لا يعني أنّ سكّان العاصمة لا يسمعون بعضاً من أصوات التفجيرات أو القذائف الصاروخية بين الحين والآخر في ريف دمشق، لكنّها ليست تلك الانفجارات التي تلقي الرعب أو الذعر بين المواطنين، أو حتى بين الزائرين الموجودين في المدينة، للسياحة أو للعمل.
يتشاطر هذه الرؤية أكثر من شخص، وينقل بعض آخر أنّ القوى العسكرية تتعامل جدّياً مع كلّ التحدّيات التي تواجهها، وتعطي مثالاً على ذلك ما جرى في محيط مطار دمشق عندما نفّذت القوّات السورية هجمات فاجأت المهاجمين بالنوعية وبكثافة النيران وبسرعة التحرّك التي قامت بها وأعادت الأمور الى نصابها في أقصر الآجال، ممّا سمح لشركات الطيران العربية باستئناف رحلاتها خلال أربع وعشرين ساعة.
والغريب أنّ البعض ينقل عن الرئيس السوري أنّه ما زال متماسكاً وصلب العود، يمارس مهمّاته وأعماله كالمعتاد ويتابع الصغيرة والكبيرة، ويؤكّد لزوّاره أنّ الأمور طالت أكثر من اللازم وأنّ قابل الأيّام كفيل بوضع حدّ لما يجري.
ولا يجادل الأسد في التفاصيل، فهو يرى نفسه وسط حرب إرهابية كونية تستهدف سوريا ودورها ومستقبلها، ويمكن أن يُستشَفّ من أقواله إنّ بداية العام المقبل ستكون المنعطف في مسار الأزمة السورية، وإنّ الردّ سيكون عاصفاً وغير متوقّع.
ويقول زوّار الأسد إنّه لا يعطي بالاً لكلّ ما يجري حوله، فعندما يتحقّق الانتصار على الأرض، سيرى الآخرون في أيّ مأزق وضعوا أنفسهم. أمّا في شمال سوريا، فإنّ الكلام يختلف مئة في المئة، ويقرن أصحابه الكلام بالواقع.
فكثافة الغارات الجوّية والعمليات العسكرية والقصف الذي لم يتوقف، لم يغيّر الواقع على الأرض. واستمرّت قوى المعارضة العسكرية بالاحتفاظ بالمواقع التي سيطرت عليها، بل حقّقت إنجازات أكثر. ويقول قادة عسكريّون ميدانيّون إنّ قابل الأيّام سيفاجئ الأسد والمراقبين بما حضّروا وبما يعدّون ويجهّزون.
هذا الكلام ليس من قادة عاديّين، فهؤلاء يعرفون "البئر وغطاءه"، ويؤكّدون أنّ الأسد، يعرف ما بات بحوزتهم، من الداخل وليس من الخارج، حتى إنّهم يذهبون إلى أبعد من ذلك عندما يقولون إنّهم لم يعودوا يحتاجون الى أيّ طلقة من الخارج، وإنّهم سيتركون المفاجأة للميدان والأيام القليلة المقبلة، والتي قد لا تمتدّ الى رأس السنة.
وإنّ الأمور لن تقف عند هذا الحدّ، فهم يعرفون ما هي المسؤوليات الملقاة على عاتقهم وما هي الخطوات المقبلة والجغرافيا التي سيتحرّكون فيها ومن خلالها.
أمّا الثقة التي يتحدّث بها هؤلاء القادة، فمردُّها إلى ما لديهم من معطيات ومعلومات من الداخل. فالمرحلة التي وصلوا إليها لم تكن بفعل قدرات السكّان والمدنيّين، وما يقال عن "تنظيم القاعدة"، مردُّه الى الانشقاقات التي حصلت بفعل التنسيق المسبق وليس بفعل العشوائية والأمر الواقع.
بين هذين الواقعين المتناقضين، لما في دمشق ولما في حلب ومحيطها، يحصد الائتلاف الوطنيّ للقوى السورية المعارضة، المزيدَ من الدعم والتأييد والاعتراف.
وهذه القرارات الدولية المتسارعة تجاه الملف السوري تؤشّر إلى أنّ الغرف المغلقة في العواصم الدولية والعربية المعنية، أخذت قرارات أساسية عندما أعلنت الاعتراف بالائتلاف السوري. وما قاله الرئيس الأميركي باراك اوباما خلال إعلان الاعتراف، لجهة أنّ هذا الاعتراف بات يشكّل مسؤولية على هذه الدول للقيام بواجباتها تجاه هذا الكيان السياسي.
من المؤكّد أنّ الملف السوري ما قبل مؤتمر أصدقاء سوريا في مراكش، لن يكون مثله ما بعده. فالخطوات ستتلاحق والمواقف ستتسارع والقرارات ستتدحرج ككُرة الثلج، وستكون الحكومة الانتقالية المقبلة عنواناً لكلّ هذا الحراك الذي يقدّر له العاملون في الشأن السوري آذار المقبل مفصلاً رئيسيّاً.

