تشهد منطقة الخليج حراكاً دبلوماسياً متسارعاً يهدف إلى إعادة تنظيم العلاقة بين إيران ودول مجلس التعاون الخليجي، في مسار يتقاطع مع المفاوضات الأميركية-الإيرانية من دون أن يكون بديلاً عنها. ويتركز هذا الحراك على بناء تفاهمات إقليمية بشأن أمن الملاحة في مضيق هرمز، وخفض احتمالات التصعيد العسكري، واستعادة قنوات التواصل السياسي بين طهران والعواصم الخليجية.
– تعكس الاتصالات السعودية-الإيرانية، والتحركات القطرية والعُمانية، والحديث عن استضافة الرياض لقمة خليجية-إيرانية، وجود توزيع للأدوار بين دول الخليج؛ إذ تواصل عُمان وقطر أداء دور الوساطة الفنية والدبلوماسية، بينما تتجه السعودية إلى توفير الغطاء السياسي الإقليمي لأي تفاهمات مستقبلية، مستفيدة من اتفاق بكين عام 2023 الذي أعاد العلاقات السعودية-الإيرانية.
– يرتبط هذا المسار ارتباطاً وثيقاً بزيارة وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو إلى الخليج، والتي أظهرت وجود تنسيق أميركي-خليجي بشأن إدارة العلاقة مع إيران. ويبدو أن واشنطن لا تعارض الانفتاح الخليجي على طهران، بل تسعى إلى أن يجري ضمن ترتيبات تحافظ على أمن الملاحة واستقرار أسواق الطاقة، ولا تتعارض مع المصالح الاستراتيجية الأميركية في المنطقة.
– تحاول إيران استثمار أجواء التفاوض مع الولايات المتحدة لتوسيع دائرة التفاهمات الإقليمية، عبر طرح أفكار تتعلق بإنشاء منظومة أمنية إقليمية وتعزيز التعاون الاقتصادي مع دول الخليج، مع استمرار رفضها إدراج برنامجها الصاروخي ضمن أي مفاوضات، بما يعكس رغبتها في الفصل بين الملفات الأمنية والملفات العسكرية الأكثر حساسية.
– رغم الزخم الدبلوماسي الحالي، فإن فرص نجاح المصالحة لا تزال مرهونة بتقليص فجوة الثقة التي خلفتها المواجهات الأخيرة، وبقدرة المفاوضات الأميركية-الإيرانية على إنتاج تفاهمات تطمئن دول الخليج في قضايا أمن هرمز، والبرنامج الصاروخي، وعلاقة طهران بحلفائها الإقليميين. كما أن أي تقدم في هذا المسار قد يفتح الباب أمام ترتيبات أمنية جديدة في الخليج، لكنه لا يعني بالضرورة انتقال المصالحة إلى ملفات أكثر تعقيداً، مثل اليمن ولبنان والعراق، التي ستظل خاضعة لحسابات محلية وإقليمية مستقلة.
– إذا تطورت هذه الجهود إلى إطار أمني إقليمي يضم إيران ودول الخليج والعراق، وربما تركيا وباكستان، فإنها قد تسهم في إعادة رسم توازنات الأمن في الشرق الأوسط، وتحد من الحاجة الإقليمية إلى أدوار أمنية خارجية، بما في ذلك الدور الذي تسعى إسرائيل إلى ترسيخه في المنطقة، وهو تطور سيبقى مرتبطاً بموقف الولايات المتحدة وحدود استعدادها لدعم نظام أمني إقليمي أكثر استقلالية.

