ما هي ولاية الفقيه؟ التعريف البسيط

ولاية الفقيه

المعنى: هي نيابة عالم الدين (الفقيه) عن الإمام المهدي (الإمام الثاني عشر لدى الشيعة) في فترة غيبته لإدارة شؤون المجتمع.

الخلاف الأساسي: ليس على وجود الولاية نفسها، بل على حدودها (هل هي مجرد إرشاد ديني وإفتاء وقضاء وأمور حسبية، أم حكم سياسي مطلق؟).

رفض أغلبية المراجع وعلماء الشيعة (القدامى والمعاصرون) نظرية “ولاية الفقيه العامة” التي تمنح الفقيه صلاحيات سياسية وحكومية مطلقة. وقد حصروا دور الفقيه في “الأمور الحسبية” (كالقضاء والإفتاء وشؤون القاصرين والأوقاف)، معتبرين أن إدارة الدولة والحكم في عصر الغيبة هي من اختصاص الإمام المعصوم. الفارق الفقهي بين “الأمور الحسبية” و”ولاية الفقيه العامة”.
يمثل هذا التفريق الجوهر الفقهي الذي يفصل بين المدرسة الشيعية التقليدية وبين المدرسة الحاكمة اليوم في إيران.

الأمور الحسبية (القدر المتيقن):هي الأمور الضرورية التي لا يرضى الشارع (الله) بتركها ضائعة في المجتمع.تشمل رعاية الأيتام، والقاصرين، والأوقاف، وإدارة أموال الغائبين، وفصل الخصومات (القضاء)، وإفتاء الناس في العبادات والمعاملات.

ويرى كبار المراجع أن هذه الصلاحية أُعطيت للفقيه من باب “الضرورة” لإدارة حياة الناس اليومية في غياب الإمام المعصوم، وليست سلطة سياسية.

ولاية الفقيه العامة (أو المطلقة): تعني أن للفقيه الجامع للشروط نفس الصلاحيات السياسية والقيادية التي كانت للرسول والإمام المعصوم.تشمل إدارة الدولة، وإعلان الحرب والسلم، وجباية الضرائب العامة، وتعيين الحكام، وإصدار القوانين الحكومية التي فوق الفتاوى الفردية.
ترى هذه النظرية أن الفقيه هو الحاكم السياسي الأعلى للمجتمع الإسلامي، وطاعته واجبة كطاعة النبي والإمام.

محطات ومفكرين أساسيين في تاريخ الفقه الشيعي:
مرحلة التأسيس (القرون الأولى):
استقر رأي كبار الفقهاء المتقدمين -مثل الشيخ المفيد، والسيد المرتضى، والشيخ الطوسي- على عدم جواز التصدي لتشكيل الدولة وإدارة الحكم في عصر الغيبة، حيث اعتبروا أن إقامة “دولة العدل” والقيادة السياسية مرتبطة حصراً بظهور الإمام المهدي.
مدرسة الشيخ الأنصاري (القرن التاسع عشر):
يُعد الشيخ مرتضى الأنصاري (توفي 1864) من أشد المعارضين لصلاحيات الفقيه خارج الأمور الحسبية. فقد رفض في كتابه الفقهي الشهير (المكاسب) بشدة دعوات توسيع سلطة الفقيه لتشمل التصرف في أموال وأنفس الناس، معتبراً أن إثبات “الولاية العامة” للفقيه أصعب من إثبات المستحيلات.
مدرسة النجف وقم المعاصرة:
استمر كبار مراجع التقليد في العصر الحديث على هذا النهج، رافضين شمول ولاية الفقيه للشأن السياسي العام والحكم، ومن أبرزهم::

  1. آية الله العظمى محمد كاظم شريعتمداري (الرفض الصريح والدستوري)
    كان آية الله شريعتمداري من أبرز المراجع المعارضين للنظرية الخمينية، وتلخص موقفه في:
  • تأييد الدولة الدستورية: كان يؤمن بنظام الدولة البرلمانية الدستورية القائم على السيادة الشعبية.
  • الدور الإشرافي فقط: اقترح أن يبتعد الفقهاء عن المناصب التنفيذية والسياسية المباشرة، ويكتفوا بلجنة إشراف وتوجيه ديني لضمان عدم مخالفة القوانين للإسلام.
  • رفض الاستبداد: جهر بمعارضته للمادة الخامسة في الدستور الإيراني الجديد (الخاصة بولاية الفقيه)، معتبراً أنها تسلب الأمة حريتها وتؤدي إلى دكتاتورية دينية.
  1. آية الله العظمى السيد حسين البروجردي (المنهج الحوزوي التقليدي)
    يُمثل آية الله البروجردي (المرجع الأعلى للطائفة الشيعية قبل الثورة) المدرسة التقليدية التي تفصل بين القيادة الدينية والعمل السياسي المباشر:
  • حكومة إسلامية لا ولاية مطلقة: يرى البروجردي أن إقامة الحكومة الإسلامية لحفظ النظام والأمن والقضاء هي “ضرورة اجتماعية وعقلية”، لكنه لم يربطها بالولاية السياسية المطلقة الممنوحة لشخص الفقيه.
  • الولاية الحسبية: يقتصر مفهوم الولاية عنده في عصر الغيبة على “الأمور الحسبية” (مثل القضاء، رعاية الأيتام، وإدارة الأوقاف)، دون التمدد لحكم الدولة والتحكم المطلق في دماء وأموال الناس.
  • الابتعاد عن السلطة: التزم طوال حياته بالابتعاد عن العمل الحزبي أو السعي لتأسيس سلطة ثيوقراطية (حكم رجال الدين)، مفضلاً الحفاظ على استقلالية الحوزة العلمية.
  1. آية الله السيد محمود طالقاني (صيغة المجالس الشعبية والديمقراطية)
    كان طالقاني مفكراً ورفيقاً للثورة، لكنه اختلف جذرياً مع الخميني حول شكل الدولة بعد انتصارها.
  • التناقض مع الديمقراطية: رأى طالقاني مبكراً أن نظرية ولاية الفقيه المطلقة تتناقض مع الحريات والديمقراطية ولن تؤدي إلا إلى “استبداد ديني”.
  • سلطة المجالس والشورى: بدلاً من تركيز السلطة بيد رجل دين واحد، اقترح صيغة حكم قائمة على “المجالس الشعبية” والشورى التي تشارك فيها كافة القوى السياسية وفئات المجتمع.
  • الإشراف لا الحكم: كان يرى أن دور العلماء العادلين هو “الإشراف والرقابة الولائية” لحماية المجتمع، وليس احتكار السلطة السياسية والتنفيذية”.
  • 4- آية الله العظمى الشيخ حسين علي المنتظري :كان من منظري ولاية الفقيه ونائباً للإمام الخميني، لكنه غير موقفه لاحقاً.تحول إلى القول بـ “ولاية الفقيه الانتخابية المقيدة بالدستور”.رأى أن الفقيه يكتسب شرعيته السياسية من انتخاب الشعب له، وليس بالحق الإلهي المباشر، وطالب بفصل الدين عن السلطة التنفيذية المباشرة وجعل الفقيه مشرفاً ومراقباً فقط.
    وفي النجف كان الرفض مماثلًا:
    1-آية الله العظمى السيد أبو القاسم الخوئي: الذي حصر دور الفقيه المطلق في الفتوى والقضاء.
    2-آية الله العظمى السيد علي السيستاني: الذي يرى أن الولاية لا تتجاوز الأمور الحسبية وحفظ النظام الاجتماعي للمجتمع، واشترط لقبول التدخل في الشؤون العامة وجود مقبولية وتأييد من عامة الناس.
    3-آية الله العظمى السيد محسن الحكيم: الذي عارض فكرة الحكم وتولي شؤون الدولة من قبل الفقهاء.
    4-آية الله العظمى الشيخ محمد إسحاق الفياض : يتبنى الموقف النجفي التقليدي الصارم.يرى أن الولاية السياسية وإقامة الدولة هي من اختصاص المعصوم فقط.يؤكد أن دور الفقيه هو الإرشاد، والنصح، والقضاء، وحماية المجتمع، وليس حكم الناس بالتعيين الإلهي.
    5- آية الله العظمى الشيخ بشير النجفي : يرى الشيخ النجفي أن ولاية الفقيه الجامع للشرائط تقتصر على “الأمور الحِسبية” والقضاء والفتيا. والأمور الحسبية هي المصالح العامة التي لا يجوز إهمالها في المجتمع الشيعي مثل: رعاية الأيتام، الأوقاف، وإدارة أموال الغائبين والقاصرين.
السابق
‏سياسة الكيل بمكيالين أو ازدواجية المعايير!