لم يعد النائب ميشال عون يفاجئ أحداً. أداؤه لا يتغيّر وإن تغيّرت سياساته وانقلبت في جذورها كما في شكلها وبهرجتها.. صار مملاً حتى في جموحه المعهود وجنوحه البائس إلى الوهم. ثم في محاولاته التي لا تكلّ لتغليف الانتهازية العابرة بكلام صُنَّاع التاريخ والأقدار.
من مونتريال في كندا، أكمل ذلك الأداء وأوصله إلى ذرى عالية في وضوح مقاصده، وإلى حدّ قد يُحرج ندماءه وخلاّنه في "حلف الأقليات" الغاصب لإرادة أهله قبل غيرهم، والممتد قوسه من طهران إلى الضاحية الجنوبية مروراً بدمشق، أو ببعض نواحيها التي لا تزال خاضعة خضوعاً تاماً لسيطرة حليفه بشار الأسد. موضع رجائه، ودرعه الواقي، وسدّه المنيع في وجه ذهاب سوريا والمنطقة إلى دائرة وإرادة "التكفيريين". ولو كان ذلك يعني الإمعان في المجازر وفق طقوس القرون الوسطى.
إرتكب خطأ البلاغ كما سبق له وارتكب خطيئة الاصطفاف. وفي الحالتين غلّب طبعه على تطبّعه.. وطبعه ناري ووقّاد وحاد. ويشبه كثيراً طبع المصاب بعقدة الاضطهاد، أو ذلك الذي يتمرمر دائماً لأنّ حقّه في الدنيا لم يصله كاملاً بسبب اليوضاسيين والغاشين عن رؤية الخلاص الذي يمثّله.. وهو مَن هو، أحد أنصاف الآلهة الذين لا يجود التاريخ بمثلهم إلا في الملمّات الجليلات، والمحطّات العظيمات.
لا يفاجئ، لكنه يثير الاستغراب. إذ إنّه حتى في التبليغ السياسي يشوط بعيداً ويشطح، ويُحرج. والتوضيح واجب: إيران صاحبة المشروع ذي البُعد المذهبي الواضح، تقول إنّ مشروعها إسلامي الأبعاد. وعنوانه هو العنوان المركزي والأساسي للعرب والمسلمين في الإجمال، أي القضية الفلسطينية، وليس بناء حيثية قومية خاصّة بها وبمصالحها! وبشّار الأسد "الرائد" في تحطيم سوريا لإبقاء سلطته الفئوية، يذهب ليصلّي في جامع "أكثري"! ويقول إنّه مُستهدَف بسبب مواقفه القومية الممانِعة! و"حزب الله" نفسه، يلبس تلك الأردية كلها فوق بعضها البعض ولا يقبل النزول عن منصّة الريادة في "صون مصالح الأمّة والذود عنها والجهاد لردّ الأذى والضيم عنها"..
لم يشطّ أحد من هؤلاء إلى حدّ الجهر بحقيقة الاصطفاف في حلف سياسي (أولاً وأساساً). أوصل المنطقة وشعوبها إلى جهنم الفتنة المذهبية.. وإلاّ كانت التتمّة المنطقيّة لذلك الجهر هو الإقرار القسري بأنّ "الأقلية الإسرائيلية" هي درّة ذلك التاج! أم ماذا؟
وحده النائب عون جاهر وجهر، وعلى طريقة الوزير الروسي سيرغي لافروف الملطوع بفوبيا الإسلاميين، من أنّ معركة بشّار في سوريا هي في أساسها معركة المحافظة على حكم أقلوي فئوي لا أكثر ولا أقل.. وإذا سقط، سقطت المنطقة بأسرها "وصرنا لاجئين عندكم في كندا"!
.. "الفوبيا" مرض وليست سياسة. وعلاجها يحتاج فعلاً إلى مصحّ وليس إلى أي شيء آخر. والتبرير العوني للمذبحة السورية يشبه التبرير المافيوي الروسي وينهل من بئره: انتهازية وظيفية آخر همّها مصير سوريا وأهلها كلهم.. وأوّل الهلعين من تلك السياسة وذلك الاصطفاف هم أهل المنطقة وشعوبها في الإجمال، بأكثرياتهم وأقلياتهم.. واسأل ميشال كيلو يا فصيح!

