عجز القيادات وفيدرالية الشباب!

مسلسل الهزات الأمنية التي شوّهت صورة الاستقرار الهش في البلد، لم تعد تنفع في معالجته المسكنات الظرفية، والتسويات العابرة، التي غالباً ما تسقط على أرض الواقع، قبل أن يجف حبر القرارات غير الجدية، والمتلاشية!.
خطورة الهزات الأمنية المتلاحقة التي شهدها لبنان في الأسبوعين الماضيين، من قَطع الطرقات والخطف العشوائي ضد السوريين في الضاحية، إلى الاشتباكات الدامية والمتصاعدة في طرابلس، انها كادت تتحوّل إلى زلزال يطيح ما تبقى من أمن واستقرار في بلد يفتقد إلى أهم مقومات الأمن الوطني: الوفاق السياسي.
ولعل أكثر ما أثار قلق اللبنانيين، بل وأرعبهم، أن الدولة وأجهزتها العسكرية والأمنية، اكتفت بالقيام بدور «شاهد الزور» إزاء الأحداث الأمنية المتفاقمة: عناصر الجيش وقوى الأمن كانت تكتفي بالتفرّج على حرق الدواليب وقطع طريق المطار، من دون أية محاولة للتدخل، الأجهزة القضائية والأمنية المعنية تصرّفت وكأن عمليات الخطف العشوائية ضد مواطنين سوريين مسحوقين وأبرياء، يعملون لكسب قوت عيالهم اليومي، لا تعني السلطات القضائية لا من قريب ولا من بعيد!.
أصبح المشهد اللبناني أسير حالة الفلتان والتسيب والفوضى، وبدت الدولة وكأنها تتلاشى وتتهيأ للسقوط، بعدما فقدت المبادرة في التصدّي للفوضى، وبعدما استطاعت حركات الشارع أن تنال من هيبة السلطة، وتقوى على الأجهزة المسؤولة عن أمن النّاس.

وفيما كان رئيس الجمهورية يُطلق الصرخة الأخيرة منذراً بسقوط الهيكل على رؤوس الجميع، كانت الفتنة تطل برأسها من جديد في الشمال، وتُشعل جبهة التبانة – جبل محسن من جديد، بحجة خلاف بين صبية صغار على ألعاب العيد، ولكن سرعان ما انكشف تطوّر «الصبية الكبار» في لعبة السلاح والعنف، التي حاولت تحويل «مدينة العلم والعلماء» إلى ساحة لتصفية حسابات النظام السوري مع معارضيه اللبنانيين!.
لم يعد أحد من المسؤولين، وغيرهم من السياسيين، يجهل أن ثمة محاولات جدية لتوريط لبنان في تداعيات الأزمة السورية، وأن ثمة من يعمل على نقل النيران السورية إلى الداخل اللبناني، لإصابة مجموعة أهداف مرّة واحدة، أصبح التكرار في خوض تفاصيلها من لزوم ما لا يلزم.
ولكن السؤال الأساس، الذي يشكّل الهمّ اليومي لكل لبناني: ماذا فعلت القيادات الرسمية والسياسية لمنع انتقال النار السورية إلى الوضع اللبناني الهش؟.
من يتحمل مسؤولية استمرار الانقسامات الحالية في الجسد اللبناني، والتي تسهل دخول الرياح الخارجية الملتهبة إلى الداخل؟.
هل أفلست القيادات الرسمية والسياسية والحزبية في إيجاد صيغة وطنية جامعة، تضع الخلافات الداخلية جانباً، وتركز على تحصين الجبهة الداخلية، وتعزيز المناعة الوطنية في مواجهة المتغيّرات المقبلة على المنطقة، والتي قد تطيح بالكيانات الضعيفة والمتهالكة، والمنقسمة على نفسها؟.

لقد أشاعت أحداث الأسبوعين الماضيين مناخات من الإحباط واليأس في نفوس الكثير من اللبنانيين، دفع بعضهم إلى التفكير من جديد باحتمالات فك الشراكة الوطنية، والعودة إلى خيار الفيدرالية، على طريقة آخر الدواء الكي، وذلك كمخرج دراماتيكي لا مناص منه لإنهاء فترة الاضطرابات والعذابات الممتدة منذ مطالع السبعينات.
الأخطر في مثل هذه المناخات، أن قاعدتها إلى توسع أكبر يوماً بعد يوم، وأن بعض الذين كانوا يعتبرون مجرّد التفكير بالفيدرالية، من نوع الخيانة الوطنية، أصبحوا يقبلون على مناقشة هذا الطرح كـ «خيار واقعي» للوصول إلى شاطئ الاستقرار النهائي في ظل نظام تعددي يتخذ من الفيدرالية إطاراً دستورياً له.
وأخشى ما يخشاه المراهنون على استمرار الصيغة، أن يصبح دعاة الحفاظ على النظام السياسي الديمقراطي الموحد للبلد، شعباً ومؤسسات، في الصفوف الخلفية، أمام حماس الشباب المتزايد لضرورة مناقشة كل الطروحات المساعدة، لإنهاء مرحلة العذابات والمعاناة، التي أطالت أمدها التداخلات الخارجية، وما أفرزته من صراعات طائفية ومذهبية مدمرة بين اللبنانيين.
ولا بدّ من القول بصراحة، بأن فشل القيادات السياسية والحزبية على معالجة خلافاتها، أو على الأقل، تنظيم الخلاف، على أسس ديمقراطية صحيحة، يحمي الدولة من العجز والشلل، ويُعزّز قدرة الأجهزة والمؤسسات العامة لتأمين الاحتياجات والخدمات للناس، قد ساعد، بل ويشجع يوماً بعد يوم، جيل الشباب على التفكير بالخيارات البديلة لصيغة الشراكة الحالية.
ولم يعد خافياً بأن انتشار السلاح على هذا النطاق الواسع في البلد، وتمركزه في أوساط فئة طائفية وحزبية معينة، قد فاقم حالة التسيّب والفلتان، وما وصلت إليه من تردٍ وفوضى في الأسبوعين الماضيين أفقدت الكثيرين في الداخل والخارج ما تبقى من ثقة بالبلد ومستقبل استقراره.
ومما زاد الطين بلة في السنوات الأخيرة أن عامل السلاح تحول إلى أداة لتعطيل النظام الديمقراطي، والإخلال بقواعد اللعبة السياسية وتوازناتها الدقيقة، الأمر الذي أدى إلى ضرب عملية تداول السلطة، وهي المبدأ الأساس في أي نظام ديمقراطي.

هل تستطيع القيادات الحالية، الرسمية والسياسية على السواء، القيام بدورها التاريخي، وإنقاذ البلد من شر السقوط في دوامة الفيدرالية وتستعيد ثقة النّاس، وخاصة الشباب، وانتشالهم من حالة الإحباط واليأس المدمرة؟.
… ما زلنا نأمل ذلك!!.  

السابق
الدولة متواطئة بأحداث طرابلس
التالي
النفايات تحاصر بلدات قضاءي النبطية وجزين