أظهرت التطورات الدراماتيكية التي دخلت على ملف قضية المخطوفين اللبنانيين في سوريا، ولا سيما بعد بروز الجناح العسكري المسلح لعشيرة آل المقداد وما رافق ذلك من اعمال خطف منظمة ومنتقاة لأشخاص سوريين وأتراك وما أعقب هذا الحدث من اهتمام رسمي لبناني وتركي أعاد التوازن الى اللعبة، ان "حزب الله" كان أكثر المستفيدين من هذا المشهد الذي عزّ نظيره.
والذين واكبوا سلوك الحزب ومشاعر قيادييه بعد هذا التطور الذي جذب الاضواء طوال ثلاثة ايام في محلة الرويس في عمق الضاحية الجنوبية، ادركوا أن الحزب وجد ضالته المنشودة والطريقة التي يراها فضلى لمواجهة الحرب الحقيقية التي قررت أجنحة المعارضة السورية أن تشنّها عليه بالذات مستهدفة مكانته ودوره، و"رابطت" معه نزاعاً لم يرده في الاصل وإن كان اعلن منذ البداية أنه منحاز الى جانب النظام في سوريا ويتبنى دعوته الى المعالجة والحل.
فقد تكوّن لدى الحزب اقتناع راسخ فحواه ان المناهضين للنظام قرروا فعلاً استدراجه الى المواجهة معهم بأي ثمن وبأي شكل.
فقبل عملية خطف اللبنانيين الـ11 لدى عودتهم من زيارة العتبات المقدسة في ايران عبر الاراضي التركية، كانت معلومات مكتومة تتوارد عن "احتكاكات" وصدامات محدودة يبدأها المعارضون مع بيئة محسوبة على الحزب سواء على حدود منطقة الهرمل أو في داخل الاراضي السورية نفسها حيث ثمة لسان من القرى والمزارع التي يقطنها لبنانيون من لون مذهبي معين في محيط بلدة القصير التابعة لمنطقة حمص المشتعلة، اضافة الى اعمال خطف فردية للبنانيين شيعة يعبرون الاراضي السورية أو يقطنونها منذ زمن.
وكانت "ثالثة الاثافي" أو القشة التي قصمت ظهر البعير عملية خطف الـ11 وما أعقبها من ممارسة ضغوط مكشوفة وعمليات ابتزاز مفضوحة للحزب بالاسم ولقائده تحديداً.
ومذذاك صار الحزب على يقين من ان ما كان يحرص على الابتعاد عنه قد وقع ونجح خصومه الاقليميون في جر "اقدامه" الى داخل كرة النار المشتعلة، لا سيما بعدما توالت مشاهد ظهور المدعو "ابو ابرهيم".
وحيال ذلك اختار الحزب، كما صار معلوماً، السير قدماً في خطة قوامها الآتي:
– الابتعاد المدروس عن مقاربة مباشرة للموضوع، وتعمّد عدم الرد على الاستهدافات الاعلامية التي طاولته من الخاطفين.
– وضع الامر مباشرة عند الدولة وأجهزتها المعنية.
– شرع، بعيداً عن الانظار، في اتصالات عبر قنوات متعددة للتواصل مع انقرة وسواها من الجهات التي يعتقد انها على صلة بالموضوع برمته.
– العض على الجرح من خلال اتباع سياسة الصمت على رغم ان جمهوره عموما والجمهور الشيعي خصوصا شرع في عملية ضغط نفسي ومعنوي على الحزب متهماً اياه بالتخاذل والانكفاء غير المبرر والملتبس.
ولم يكن كل هذا السلوك اعتباطياً، إذ كان الحزب يعتبر أنه كلما نأى بنفسه عن مشهد الخطف وتداعياته وضبط نفسه وجمهوره كان يفوّت على الخاطفين ومن وراءهم المقاصد والغايات التي شاؤوها، وابرزها: توريط الحزب واغراقه اكثر في لجة الفتنة السورية، الى ان حانت "لحظة الفرج" من خلال بروز عشيرة آل المقداد وتقدمها الى صدارة الحدث، وبالتالي تصديها هي للمواجهة مع الخاطفين ومن وراءهم.
امام هذا المشهد المستجد ثار سجال لم يخمد حتى اللحظة عنوانه العريض، ما هو الدور الحقيقي للحزب في هذا الحدث وما هي حدود حضوره وحدود العامل العشائري وأيهما يستفيد من الآخر؟
ليست المرة الاولى التي تظهر فيها صورة العشيرة كبنية متماسكة وكمنظومة لها هرميتها واذرعها لا سيما في مناطق البقاع على وجه التحديد، ولكن الثابت أنه لم يسبق أن ظهرت خصوصاً في المرحلة المعاصرة عشائر تقرر من تلقائيتها الحضور في معادلة صراعات اقليمية كبرى على النحو الذي حضرت فيه عشيرة آل المقداد ذات التوزع بين البقاع وجبيل واحياء عدة في الضاحية الجنوبية وتحمي ساحتها بامتياز في المنطقة الاخيرة.
وفي كل الاحوال، لم يكن الحزب الا مرتاحاً وهو يرى ان المشكلة التي احرجته وأربكته طوال اكثر من ثلاثة اشهر تمسي في مكان آخر، وبيد آخرين، لذا لم يكن غريباً ان يظهر الامين العام للحزب السيد حسن نصرالله بعد ساعات من هذا التطور ويعلن على الملأ ان القضية أوشكت على الخروج من نطاق السيطرة وأن المستجد على مشهدها جهة اخرى لها كيانها الخارج عن اية وصاية، وقد جاراه في ذلك لاحقاً رئيس مجلس النواب نبيه بري.
باختصار كان الحزب أكبر المستفيدين من هذا التطور الفارض نفسه بقوة للتو على الارض، فلقد كان ثمة شعور بأن هذا العنصر الجديد اعاد التوازن وفرض على الخاطفين ومن وراءهم عدم الذهاب بعيداً، وصارت الدولة التركية نفسها في موقع المحرج والمستهدف واضطر سفيرها الى العودة على جناح السرعة الى بيروت وفرض على الدولة ان تبادر الى تشكيل خلية ازمة على اعلى المستويات بعدما كانت قد نفضت يدها تقريباً من الموضوع زاعمة انها ادت قسطها للعلى، فيما كان الغرب نفسه مضطراً الى مقاربة الحدث ولو من باب التحذير وابداء القلق.
وعموماً احس الحزب بأن يده التي ضغط عليها في السابق قد تحررت وصار بامكانه ان يقدم "بطلاً" جديداً في المشهد كله ويطلب من المهتمين بالامر ان يتعاملوا معه، والامر لا يبدو بالنسبة للساحة الشيعية مصطنعاً، فالعشائر هي جزء اساسي من اللوحة الاجتماعية لهذه الساحة، كان لها دوماً زعامة خاصة ودور مميز.
وبالطبع ثمة من تساءل هل ان ما حصل سيكون من دون تداعيات وتبعات واثمان بالنسبة للحزب؟ وهل سيفرض عليه اثماناً وواقعاً جديداً في المعادلة الشيعية؟
وما يشجع على طرح هذا السؤال ما آل اليه الوضع في الساحة السنية وبالتحديد عندما شجعت الزعامة السنية نمو التيار السلفي وفي ظنها أنها ستضعه في مواجهة خصومه وهو القادر على اطلاق الخطاب الذي ليس بمستطاعه أن يطلقه ويؤدي الدور الذي "يخجل" هو ان يؤديه فأتى حين الدهر غرق فيه التيار السلفي في الجور المنوط به وصار لاعباً منفرداً وخرج عن طاعة "المخرج".
ثمة من يرى ان الحزب مطمئن وواع الى اعلى درجات الوعي لهذه المسألة بالذات، وهو الذي منذ نشأته في مطلع الثمانينات شق طريقه وسط البيئة البقاعية المركبة والصعبة بطريقة خلاقة وذكية، ونجح الى حد بعيد اما في استيعابها وإما في بناء خطوط تواصل معها ومنظومة علاقات سياسية واقتصادية وخدماتية من خلال عقد تفاهمات ومصالحات تحدد مساحات العلاقة وحدودها حيث لكل فضاء تحركه.
عموماً استفاد الحزب من تجارب كل القوى والاحزاب مع اللعبة العشائرية ونجح في ارساء حدود تعاط وتعامل الى درجة ان ثمة من يتحدث بثقة عن ان الحزب استطاع ان يدخل بسلاسة الى عوالم العشائر والافخاخ ويتماهى معها الى اقصى الحدود، ليصير جزءاً من دورة حياتها ومن نسيجها ومن لعبة مصالحها.
ولم يخلُ الأمر من صدامات واحتكاكات وتضارب مصالح لا سيما في الاشهر القليلة الماضية وبالتحديد في بعض احياء الضاحية الجنوبية، ولا سيما مع بعض عشيرة المقداد نفسها، ولكن تجربة التكيّف الطويلة للحزب مع التركيبات العشائرية وهو الذي رحم نموه الاصلي البقاع والضاحية جعلته يلملم كل تداعيات الموضوع ويعيد الأمور الى طبيعتها كأن شيئاً لم يكن.
وعليه، يبدو أن الحزب غير قلق من ان تتكرر معه تجربة السلفيين مع الزعامة السنية لأنه أعرق تجربة في ساحته.

