قلق أوروبي على سوريا ولبنان

سوريا في خطر، الوضع السوري يثير الكثير من الرعب في الداخل، وهو محور متابعة وقلق في الخارج، خاصة في الأوساط الأوروبية، التي تحذر من الخطر المحدق بوحدة سوريا أرضاً وشعباً.
القلق الأوروبي يتزايد يوماً بعد يوم، بسبب مستوى العنف غير المسبوق الذي بلغته المواجهة الدامية بين النظام والمعارضة، وعدم الإمساك بطرف الخيط الذي يؤدي إلى حل سياسي معقول، ومقبول بين الطرفين اللذين بلغا خط اللاعودة.
الإعلام الأوروبي وبعض الدوائر الدبلوماسية لم تعد تتحدث عن إمكانية تحقيق الإصلاحات المنشودة في إطار النظام الحالي، وأصبح الشغل الشاغل لها البحث في مرحلة ما بعد الأسد، وإن طالت ساعة الحسم لمصلحة المعارضة.
يسأل الأوروبيون، إعلاميون ودبلوماسيون، عن الأسباب غير المفهومة، بالنسبة لهم، التي حالت، حتى الآن، دون نجاح الجهود العربية وغير العربية، لتوحيد المعارضة، ولو في صيغة جبهوية عريضة، يتوافق أطرافها على برنامج عمل سياسي واضح، يصلح لتأمين نقل السلطة بشكل هادئ وسلس، خلال المرحلة الانتقالية التي ستعقب سقوط نظام الأسد، ويُناط بها إنجاز الخطوات التأسيسية اللازمة لبناء النظام الديمقراطي الجديد، بما في ذلك إجراء أوّل انتخابات عامة.
ثمة هواجس أوروبية مفزعة من انعكاسات استمرار الانقسامات في صفوف المعارضة السورية على الوضع الداخلي، وما تؤدي إليه الانقسامات من فلتان أمني، وصدامات جهوية أو طائفية بين مكونات الشعب السوري، على غرار ما حصل في ليبيا إثر انهيار نظام القذافي.
والإعلام الأوروبي يستفيض في الحديث عن «تسلل حركات إسلامية متطرفة» للقتال إلى جانب الجيش السوري الحر، وبروز أعلام وشعارات «جهادية» في صفوف المقاتلين، الأمر الذي يزيد المخاوف في الدوائر الأوروبية المعنية من احتمالات ظهور قوى إسلامية متطرفة على الحدود السورية في الجولان، تضع الأمن الإسرائيلي الحدودي بين «فكيّ كماشة إسلامية» على حدّ تعبير دبلوماسي أوروبي، بعد تعويم سلطة حماس في غزة إثر وصول الإخوان المسلمين إلى السلطة في مصر، واحتمال سيطرة نظام إسلامي على دمشق بعد رحيل الأسد.

وثمة من يعتبر أن هذه المخاوف الأوروبية، والتي تلقى أصداء متزايدة في واشنطن، تشكّل أحد أبرز العوامل التي تؤخّر توقيت الحسم في المعركة الإقليمية – الدولية المحتدمة على الساحة السورية، والتي يخشى أن يتحوّل الشعب السوري الشقيق إلى حطب حريق فيها، ولعل أبرز هذه العوامل:
– العلاقة بين أطراف المجلس الوطني السوري غير متماسكة بما فيه الكفاية، وهي موضوع أخذ ورد بين بعض مكونات هذا المجلس.
– البنية التنظيمية للجيش السوري الحر غير واضحة المعالم، والقيادة المتواجدة على الحدود مع تركيا لا تسيطر بالكامل مع القوات العسكرية المنشقة عن النظام، والتي يصفها البعض بأنها «مجموعة متفرقة من الوحدات الصغيرة».
– وحدة الرؤية والموقف غير متوفرة في علاقة المجلس الوطني مع الجيش الحر، الأمر الذي أدّى إلى إضعاف موقف المعارضة في تعاطيها مع عواصم القرار العربي والدولي.
– عدم بروز قيادة سياسية قادرة على السيطرة على الوضع السوري بعد سقوط النظام، تستطيع إعادة اللحمة بين مختلف المناطق السورية، والعمل على جمع شمل السوريين، بألوانهم الطائفية والإتنية المختلفة، في بوتقة وطنية واحدة وفق برنامج عمل وطني واضح.
– سيطرة تيارات إسلامية على بعض المناطق والأحياء في العديد من المدن والقرى الإسلامية، خارج مناطق نفوذ الجيش الحر والمجلس الوطني.

المخاوف الأوروبية لا تقلّل من أهمية الاعتراف بأن الأزمة السورية خرجت من إطارها المحلي والإقليمي، وتحولت إلى بند على أجندة الحرب الباردة المستجدة بين الولايات المتحدة وروسيا الاتحادية، والتي تتوالى فصولاً في مجلس الأمن، الذي فشل حتى الآن في اتخاذ قرار عملي يؤدي إلى وقف النزيف السوري، وإجبار النظام على فتح ملفات الإصلاحات الجدية أو الرحيل.
والنيران السورية مرشحة للاستمرار مشتعلة، ومن دون أفق زمني محدّد، طالما استمرت الصراعات الجديدة بين واشنطن وموسكو، وعلى الأقل إلى ما بعد الانتخابات الأميركية في الخريف المقبل، بحيث تكون إدارة البيت الأبيض قد استعادت زخمها، واهتمامها بالملفات والأزمات الدولية، بعد غياب فرضته حماوة المعركة الرئاسية بين الرئيس باراك أوباما، ومنافسه الجمهوري ميت رومني.

ويسأل الأوروبيون: هل يستطيع لبنان أن يحافظ على استقراره في حال استمرت الأزمة السورية على حدتها، وتزايدت تعقيداتها الإقليمية والدولية؟.
الوضع اللبناني ما زال معقولاً، بنظر دبلوماسي أوروبي، طالما أن الاهتزازات الأمنية المتفرقة باقية تحت السيطرة، وغير مرشحة للتصعيد والتوسع، على اعتبار أن لا مصلحة لأي طرف لبناني في الدخول بمغامرة أمنية وسياسية، تغيّر قواعد اللعبة الحالية، وتعرّض البلد واللاعبين المحليين لاحتمالات غير محمودة العواقب.
الحكومة الحالية ليست مثالية، بل ثمة انتقادات ومآخذ كثيرة عليها وعلى أطرافها، ولكن دقة المرحلة الحالية في المنطقة، وفي ظل غياب التوافق اللبناني – اللبناني على تشكيل حكومة جديدة، فان استمرار الحكومة الميقاتية يعتبر «شرّ لا بدّ منه» على حدّ تعبير إعلامي إسباني، أمضى سنوات من عمله في لبنان وبعض دول المنطقة.
الأنظار الأوروبية تتجه نحو لبنان، من زاوية الزيارة الرعوية التي ينوي البابا بنديكتوس القيام بها إلى بلد الأرز في أواسط أيلول المقبل، والرسالة التي تحملها المبادرة البابوية الجديدة في تأكيد أهمية الوجود المسيحي في الشرق العربي، وفي إطار العيش الحضاري مع الشعوب الإسلامية في المنطقة، واعتبار لبنان نموذجاً للعيش الإسلامي – المسيحي، ولضرورة تفاعل المسيحيين مع محيطهم، وعدم اعتماد سياسة التقوقع والانعزال لأي سبب كان.

لبنان حاضر في الاهتمامات الأوروبية، رغم انشغال قادة وحكومات القارة العجوز بمعالجة ذيول الأزمة الاقتصادية الحادّة التي تُهدّد العملة الأوروبية الموحّدة.
فهل تحضر قضايا وملفات الوطن الصغير والشعب الصابر في اهتمامات الحكومة والقادة السياسيين، الذين لا همّ لهم إلا تأجيج الخلافات، وتكديس الثروات؟!.  

السابق
مبادرة للقوى الاسلامية لايجاد حل لاعتصام الاسير في صيدا
التالي
دمشق تحرك حروب الاقليم والحسم بعيد