تعيش مصر اليوم حالة من الضياع والاستلاب بين من يناضل ويثور ويدفع الدماء الغالية، ويفرح لاكتشاف حقيقة ذاته، وما يجب عليه أن يكون، مع استيقاظ الوعي لديه حول مفاهيم الحرية والعدالة والإنقاذ الاجتماعي والإنساني، وبين مشتّت ومتردّد يشعر بالمؤامرة، ويتأرجح بشدة في دهاليز الشك واليقين.
أخذ الشعب المصري قرار القبول بنتائج صندوق الإقتراع في الحالة النيابية الأولى، وسرعان ما طفا على السطح ما يطعن بشرعية انتخابات كهذه ونزاهتها، انطلاقاً من أن أموال الرشى و«الزيت والسكر» قد وزّعت فيها، ولم يلبث أن حلّ المجلس العسكري (الذي كان يتمتع بحظوة فائقة لدى غالبية المصريين عند بدء الثورة) بعد فترة مجلس الشعب باعتباره غير دستوري، ليمسك بزمام السلطة التشريعية في البلاد.
ومرة أخرى تقرّر أن صناديق الاقتراع هي أيضاً التي تحدّد من سيكون الرئيس، ليسيطر المجلس نفسه على السلطة القضائية بعد إصراره على التمسك بمرشح للرئاسة، وإصدار إعلان دستوري وآخر مكمّل. وما إن ظهرت ملامح النتائج الأولية، حتى بدأ التشكيك أيضاً وأيضاً بصدقية نتائجها، وبدأنا نسمع من يقول بلا دستورية ترشّح شفيق إلى الانتخابات حتى ولو طعن المجلس الدستوري الأعلى بهذا، حيث كان من الممكن أن تُعاد الانتخابات، أو أن يحلّ صاحب المركز الثالث في عدد أصوات الناخبين مكان الثاني.
أصبحت المعادلة إذا: الدكتور محمد مرسي vs الفريق أحمد شفيق، أي صراع يتمحور بين سلطة دينية في مقابل أخرى عسكرية؛ سلطة دينية للإخوان الذين يبدو أنهم لم يعودوا كالسابق بعد هبوب رياح «الاعتدال» عليهم من تركيا، ونيلهم الرضى والدعمين المادي واللوجستي المطلقَين من قطر، حيث مركز صنع القرارات «الإخوانية»، وأخرى عسكرية يبدو انها الوحيدة القادرة على معرفة حقيقة ما يجري على أرض الكِنانة.
هناك من يتحدث الآن، عن شرعية مجلس الشعب، فضلاً عمّا شاب عملية الانتخاب من عدم نزاهة ودستورية… وبعيداً من كل هذه الطعون، وصحتها من عدمها، ثمة سؤال يلحّ في فرض نفسه: «إذا كان كل شيء ينخر فيه الشك، فما هو الحلّ إذاً؟» هل ستذهب مصر إلى الفوضى، أم أننا سنشهد نوعاً من الاستقرار المبنيّ على حلول ليست هي الأخرى بعيدة عن الاتهام، أي عن تقاطع السلطة أو تقاسمها بين الإخوان والمجلس العسكري؟ أم اننا حقيقة نشهد الفصل الأخير من تراجيديا إجهاض ثورة يناير؟
تشير مؤشرات كثيرة إلى أن الحالة الثورية الأولى في مصر قد تمّ احتواؤها، وأن روحها الغضة قد بدأت رحلتها التدريجية نحو الاندثار. ووضع كهذا لا بدّ أن يثير التشاؤم والحزن، إلا أنه وفي الوقت عينه، يثير قضية «الكيفية» التي يجب أن تُنقذ فيها الثورة، وعملية كهذه، على ما يبدو، لن يكتمل بناؤها وتُحدّد آلياتها، ما لم تقم كل الأطراف المعنية بالثورة، من إسلامية ويسارية وناصرية وديمقراطية، بمراجعة شاملة وصادقة، تجنبهم الانزلاق في متاهات الاستئثار والتفرّد، وتسمح لهم بصوغ مشروعهم السياسي الثوري وأهدافه، وبالتالي تشكيل نواة استقطابه من أجل تصحيح المسار الذي تعثّرت فيه ثورتهم والذي أفضى إلى احتواء حالتها الأولى؛ وإلا فإننا قد ننعى هذه الثورة «الشعبية» الفريدة التي أدهشت العالم وشغلته، وهزّت المعمورة في جهاتها الأربع، وحَدَت بأهم علماء الاجتماع والسياسة إلى الاهتمام بدراستها، لأن ما حدث ـ برأيهم ـ لم يكن في الحسبان ولم يسبق له مثيل.
الرهان هو على القوى الثورية الحيّة التي هبّت لإحداث تغيير جذري وبنيوي يكفل تحقيق ما لم يتحقق في مصر منذ ألف عام، أي حق المواطنة، وحق التعبير عن الرأي، حق الأمان وحق الضمان الاجتماعي وغيرها وغيرها من الحقوق الكثيرة التي يحلم أن يتمتع بها أي إنسان، وكل ساعٍ إلى عيشة لائقة وكريمة.
إنه حق الشعب المصري ببناء دولة حديثة قائمة على مبادئ الحرية والنظام والعدالة جنباً إلى جنب مع القانون.

