مع وثيقة الأخوان وضد وثيقة الحزب

تشكّل الوثيقة الصادرة عن "الأخوان المسلمين" تحت عنوان "عهد وميثاق" نصّاً مرجعياً، ليس فقط على المستوى الإسلامي، إنما على المستوى الانساني العالمي، خصوصا أن النص-البيان مكثّف لدرجة أنه يصعب معه اجتزاء أو اختصار سطر واحد، أو حتى حذف مجرد عبارة واحدة.

ولا حاجة للعودة إلى ما تضمنه النص على مستوى الدعوة إلى إقامة دولة مدنية تضمن التعدد والتنوّع والمساواة، وتقيم أفضل العلاقات الندية مع أشقائها، وفي مقدمتهم لبنان الذي "عانى شعبه وَيلات نظام الفساد والاستبداد"، كما لا حاجة أيضا للدخول في متاهة الحكم على النوايا والتشكيك بصُدق ما صدر، وبالتالي الذهاب إلى حد التمييز بين الأقوال والأفعال…

فالمهم أننا أمام نصّ تاريخي، ومن لديه الأفضل فليتفضل، وإذا كان "حزب الله"

يعتبر أنّ ما تقدم لا يخرج عن سياق المناورة السياسية للالتفاف على الرئيس السوري عبر المزايدة الأخوانية بالدولة المدنية التي لا تنصّ على أن "دين الدولة الإسلام" أو "دين رئيس الدولة الإسلام" كما ورد في الدستور الذي وضعه بشار الأسد، فما عليه سوى أن يتقدم بوثيقة أفضل تحاكي تطلعات شعوب المنطقة، وهذا الأمر يَسري على كلّ مَن يدور في فلك الحزب.

صحيح أن الحكم يجب أن يكون على الأفعال، إنما هذا الحكم يأتي طبقا للمانيفست السياسي الذي يضعه هذا الفريق أو ذاك، ويدعو بموجبه الرأي العام إلى محاسبته على أساسه. ومن هذا المنطلق، لم يكن الأخوان ملزمين وَضع هذا السقف المرتفع جدا وتعريض أنفسهم للمحاسبة لاحقا، لولا صدق نواياهم وتفكيرهم وقناعاتهم، إذ باتوا بعد هذه الوثيقة مطالبين بتطبيقها بحذافيرها والالتزام في كل جملة واردة فيها، فيما كان باستطاعتهم وَضع سقف أدنى من ذلك بكثير، ولَما كان أحد في وارد مساءلتهم في ظل المواجهة التي يخوضها الشعب السوري في سبيل كرامته وحريته.

قد يدّعي البعض أن هدف الأخوان استمالة الأقليات من جهة، علماً أن تأثير هذه الأقليات في مجريات الأحداث الميدانية يكاد يكون معدوما، وكسب تأييد المجتمع الدولي من جهة أخرى، خصوصا بعد التردّد الذي أصاب هذا المجتمع في دعم المعارضة السورية نتيجة التضخيم المتعمّد للحركات العنفية التي أبصرت النور والإشاعات المغرضة عن القاعدة وأخواتها، علماً أن العنف يولّد عنفاً، والنظام السوري لا يمكن مواجهته بـ"حمامة سلام" أو بالجمعيات اللاعنفية والمجتمع المدني، وبالتالي من حق الأخوان وغيرهم إسقاط ذريعة من ذرائع النظام بإعادة تصويب المسائل عبر تظهير رؤيتهم السياسية وتطلعاتهم المستقبلية.

فالحكم يجب أن يكون على الأفكار وربطها بالدرجة الأولى بالواقع الحالي المتصل بالثورات العربية، أي عدم الاستناد إلى التجارب التاريخية والتأسيس عليها على غرار وثيقة الأخوان في العام 2005، لأنّ واقع ما قبل الثورات يختلف عمّا بعدها، هذه الثورات التي أظهرت الإسلام السياسي بحلة مختلفة وجديدة. وطالما الشيء بالشيء يُذكر، فمن المفيد، على سبيل المثال، وضع وثيقتي "الأخوان المسلمين" و"حزب الله" والمقارنة بينهما، هذه المقارنة التي تظهر انحياز الطرف الأول لحقوق الانسان بكلّ أبعاده، في مقابل انحياز الطرف الآخر للمنطق الأيديولوجي الذي يضحي بالانسان أو يستخدمه في سبيل غاياته.

ففي حين تدعو وثيقة الأخوان إلى دولة "تكون عامل أمن واستقرار"، تدعو وثيقة الحزب إلى الحرب واللاإستقرار، وهي ضد السلام ومع إسقاط الاستكبار العالمي وتدمير إسرائيل، وهذا ليس دفاعا عن إسرائيل، إنما من زاوية وضع لبنان في مواجهة تتجاوز طاقاته وقدراته وتدخله ضمن الإطار الجهادي وفي سياق مشروع إسلامي لا ناقة له فيه ولا جمل.

لا يمكن أن يكون المرء ضد "الأخوان المسلمين" الذين أعلنوا إيمانهم بـ"الدولة المدنية الحديثة والديموقراطية والتعددية التداولية، ودولة المواطنة والمساواة والالتزام بحقوق الإنسان والقائمة على الحوار والمشاركة والتي تحترم المؤسسات ويكون فيها الشعب سيّد نفسه"، فيما يكون مع "حزب الله" الذي يقف ضد المبادئ الدولتية التي أعلنها الأخوان.

ما أفرزته الثورات من دينامية تغيير وتطوير كشفَ "حزب الله" الذي كان يتلطّى بالواقعين الأخواني والسلفي تبريرا لوجوده ودوره، هذا التبرير الذي لم يعد يقنع أحدا، لا بل أظهر مدى الهوّة بين طروحات الأخوان التطويرية وطروحات الحزب الماضوية.

تبقى ملاحظة أخيرة لا بدّ منها، وهي أنّ التغيير والإصلاح الإسلامي انطلق من السلفية التي تدعو الى الاجتهاد وترفض المذهبية في الإسلام، كما تدعو الى التذكير بأنّ المفتي محمد عبدو هو سلفي ورمز الإصلاح في العالم الإسلامي.

السابق
من المستفيد من التعتيم على قضية السيد موسى الصدر ؟
التالي
سورية في طريق الحل الوطني للأزمة