استكشاف لمعضلات الديبلوماسية التركية

ما هي الحالات الحصرية الثلاث لتدخل عسكري تركي في سوريا؟ هل يبهت النموذج التركي في الصراع المذهبي الايراني – السعودي؟ هنا حصيلة حوار "غير رسمي" مع مصادر ديبلوماسية تركية رفيعة.

يخرج المتابع للسياسة التركية من لقاء مع مراجع عالية المستوى في الجسم الديبلوماسي المحترف لوزارة الخارجية التركية، وكانت زائرة لبيروت بدون اعلان في النصف الثاني من الاسبوع الماضي، بانطباع ان التفاعلات المديدة التي لم تكن بالضرورة متوقعة للأزمة السورية سواء داخل سوريا او في المنطقة باتت تستدعي طريقة "أَهدأ" نسبيا في الحديث عن هذه الازمة.
لا يجب ان يُفهم من هذه الملاحظة بأي شكل انني أعني ان السياسة التركية هي الآن في طور مراجعة لاستهدافاتها التي ظهرت العام 2011. ما أقصده من انطباع تولّد لدي خلال هذا اللقاء ان "الاتراك" يقيّمون حاليا حصيلة اندفاعاتهم الكبيرة التي فرضتها بالنتيجة تحولات العالم العربي ومما لا شك فيه ان "الدائرة السورية" صارت المعيار الاهم فيها. فهذه الدائرة باتت تقرر في العمق منحى علاقاتهم مع العراق الذي لا زالوا فيه "الشريك التجاري الاول" من مناطق الاكراد مرورا ببغداد حتى البصرة في أقصى الجنوب، بل ستقرر حجم تأثيرهم السياسي المقبل في كل الشرق الاوسط.
الانطباع الآخر الذي يتولد لدى المراقب من هذا النوع من اللقاءات اكثر تعقيدا. لا شك ان السياسة التركية انخرطت بنوع من المجازفة في منطقة المشرق العربي وتحديدا في سوريا والعراق الا ان كلمة "مجازفة" يجب ان توضع في سياق محدد: فتركيا هي جزء ثابت من "النادي الغربي" في المنطقة وفي العالم وما تفعله من هجوم على النظام في سوريا يحصل في "لحظة" اجماع اوروبي اميركي على تشجيع اسقاط هذا النظام فكيف حين يكون مجلس التعاون الخليجي بكامله على رأس هذا الهجوم بشكل لا سابقة له؟ اذن انه انضمام تركي الى تيار شامل يحب المسؤولون الاتراك ان يعبِّروا عنه بأنه "انحياز الى شعوب المنطقة".
مع ذلك … المجازفة موجودة بالنسبة لتركيا في طيات هذه الاحداث القصيرة الامد كما المتوسطة الامد، بل انها موجودة بالنسبة لتركيا اكثر من اي طرف خارجي كبير آخر في التحالف الذي يشجع الثورة السورية. فناهيك عن بعض الخسائر الاقتصادية المباشرة ولكن التي لاتزال دون حجم تهديد الصعود التركي كنمر اقتصادي، هي تجازف امنيا بوجود ليس فقط حدودها المشتركة مع سوريا وانما لأن هذه الحدود متداخلة، كالحدود مع العراق، مع المشكلة التاريخية الكبرى والخطرة في الداخل التركي اي المسألة الكردية. لا اعرف مدى ثقة الديبلوماسية التركية بتفاؤل بعض الاصوات داخل "حزب العدالة والتنمية" بامكان حل المسألة الكردية لكن الاكيد ان هذه المسألة باتت اكبر معضلة متبقية لكل مصير التطور الديموقراطي في تركيا. اما التكهنات الغامضة حول الموضوع العلوي داخل تركيا فسندعها جانبا.  الموضوع غامض فعلا ليس لأنه غير حقيقي بل لأن ترجمته السورية ليست "ميكانيكية" بسبب سياق الحياة الوطنية التركية الناضج من جهة، ولأن الخطاب الرسمي قادر على القول انه سيحمي العلويين السوريين في حال تعرضهم لخطر وجودي شامل من جهة أخرى. فهل هذا تبسيط عسكري تركي فخور للمشكلة السورية ام علمنة دعائية اسطنبولية لمسار حربْ أهلوي "انحرفت" اليه الثورة الشعبية السورية؟ وتركيا تجازف في احتمال الغرق في الحرب الاهلية السنية – الشيعية في العراق، الاحتمال الذي يضرب احد الاسس المهمة جدا لجاذبية النموذج التركي في العالم المسلم كنموذج حداثي ديموقراطي منتج ومتقدم عن النموذجين الدينيين الايراني والسعودي المتصارعين مذهبياً والريعيين اقتصاديا. جاذبية تمتد من أذربيجان التركية الشيعية الى آسيا الوسطى السنية الاسماعيلية بما فيها طاجيكستان الفارسية الى الهلال الخصيب الى الجزيرة العربية الى كامل شمال افريقيا من مصر والسودان الى المغرب.

اما المجازفة الأبعد فهي استراتيجية ولا جواب حاسما عليها الآن… من نوع:
1 – يعتقد القادة الاتراك انهم بانضمامهم الديناميكي الى التحالف الغربي الخليجي في موضوع سوريا فهم يخوضون معركة وراثة النفوذ الايراني في سوريا. طبعا الديبلوماسيون الاتراك أعقل من ان يقبلوا الاتهام الموجه لإيران بأنها تريد "تشييع" سوريا ويعتبرونه اتهاما في منتهى السخافة، لكن في الوقت نفسه يعرفون ان الوجه الاقليمي الدولي للمعركة على سوريا هو انتزاعها من النفوذ السياسي والعسكري الايراني الممتد عميقا الى لبنان وخصوصا جنوب لبنان. السؤال الاهم هو: هل يراهن الاتراك فعلا انهم سيرثون وحدهم بشكل اساسي ايران في سوريا وليس السعوديون هم من سيرث!؟ هنا احتمالُ سقوط الاتراك في وهمٍ – خطأٍ استراتيجي احتمالٌ كبير في ظل قابلية حزب العدالة والتنمية للمبالغة في تقدير (وبالتالي تبرير) قوة تركيا ليس قياسا فقط بفرنسا والولايات المتحدة الاميركية بل اساسا بالمملكة السعودية. فللمملكة تاريخيا منذ العشرينات من القرن العشرين نفوذٌ في التركيب القبلي للمناطق الشرقية السورية كان دائما احدى حقائق السياسة السورية بعد الاستقلال مضافا اليه النفوذ الاقتصادي على الشرائح السورية العاملة في السعودية او العائدة منها. بهذا المعنى فان وريثة ايران اذا سقط النظام السوري ستكون السعودية قبل تركيا.
2- لدى المصادر التركية رغم تركيزها الثابت على أهمية موقع مصر ودورها في العالم العربي – وهو ما يجعل هذه المصادر تقول ان القيادة الاساسية في العالم العربي مهيأة ان تأتي من مصرلا من ايران ولا من تركيا – لدى هذه المصادر بحث دائم عن الاسباب التي تجعل النخبة المصرية بكل تنويعاتها حذرة من تركيا والدور التركي. هي تقول ان منافسة اسطنبول جاءت دائما في العهد العثماني من القاهرة. لكن لدى الاتراك والمصريين دائما ايضا عناصر مشتركة في النزوع الثقافي والحداثي، ومع ذلك يتواصل الحذر المصري من تركيا منتقلا من الزمن الناصري الى مرحلة الرئيس مبارك ولا ضمانة ان لا ينتقل الى الاسلاميين كما ظهرت بداياته في سوء التفاهم الذي حصل بين رئيس الوزراء رجب طيب اردوغان وحركة الاخوان المسلمين المصريين خلال زيارة الاول للقاهرة بعد الثورة، او ان تفرضه حساسيات الامتداد التركي الاقتصادي المتزايد داخل افريقيا حيث باستمرار شعور – وحافز- لدى النخب المصرية بامكان لعب دور مهم بحكم الموقع المصري الطبيعي في القارة السوداء والوشائج السياسية الثقافية الدينية التي اتهم عهد حسني مبارك باهمالها وتهميشها. طبعا الاتراك يراهنون على قوة الوقائع الاقتصادية التي جعلت حجم الاستثمارات التركية في مصر في السنوات المنصرمة حوالى خمسة مليارات دولار معظمها كان موجودا في منطقة القاهرة الكبرى حتى لحظة قيام الثورة.
من المهم كما يبدو لي في خاتمة هذا الاستكشاف الحواري مع المصادر التركية، والذي تخللته اسئلة واستفسارات نقدية تعودت هذه البيئة الديبلوماسية بحكم خبراتها العريقة والحديثة ان تتلقاها وتوجهها في آن معا، أن أنقل حرفيا نقطة مهمة وردت في حديث المصادر:
تركيا يمكن ان تتدخل عسكريا في سوريا في احدى ثلاث حالات حصريا:
1 – انهيار الدولة السورية (وأظن هذا مختلف عن سقوط النظام).
2 – حصول نزوح استثنائي يعادل – حسب تعبير المصادر- النزوح الذي اعقب احداث حلبجة في العراق (لم يحصل اي نزوح قريب من حجمه منذ بدأت الاحداث السورية)
3 – صدور قرار عن مجلس الامن بتدخل دولي تكون تركيا جزءا شرعيا منه
هل هذا الكلام يعبر عن الاسلوب التركي باستبعاد فكرة تدخل منفرد بناء على معرفة صعوبة بل استحالة حصوله بالصيغ التي جرى الترويج الدعائي لها وسقط في فخها "الاخوان المسلمون السوريون" او بعض قياداتهم؟ عندما قلت للمحاور التركي ان هناك حالة رابعة هي في اعتقادي الوحيدة الممكنة وهي حصول تمرد كردي في الشمال الشرقي السوري يهدد بالتفاعل مع المسألة الكردية الداخلية ويتحول الى قاعدة لحزب العمال الكردي المسلح ( pkk)… أجابني بسرعة: هذه تشملها الحالة الاولى (انهيار الدولة).
… أي تدخل خارج هذه الحالات الثلاث سيعني فتح المجال امام اعادة احياء العداء القومي العربي التركي كما تعتقد المصادر.
أعجبتني في النهاية مقولة قالها لي المحاور التركي ويمكن ان يكون قد تعلمها في مدرسته الديبلوماسية العريقة: البلدان ليست مختبرات.
هل انت متأكد سعادة السفير؟ بل هل انتما متأكدان سعادة السفيرين؟. 

السابق
حزب الله يسلك نفقاً انتحاريّاً
التالي
الطفيلي: على النظام السوري ان يتنازل لشعبه والشيعه ليس لديهم الّا اللقاء مع السنه أو اسرائيل