كلّ شيء في لبنان ينتظر سوريا. وحكومة الرئيس نجيب ميقاتي تمكّنت من تمرير المرحلة السابقة، في إطار من الرماديّة والمماطلة في كلّ الملفّات الساخنة، لأنّ الضغط على النظام في سوريا بقي تحت سقف محدّد. أمّا وقد بلغ النظام نقطة حرجة، فهذا يعني أنّ "حكومته" في لبنان وصلت أيضاً الى الاستحقاق، لأن لا أفق للمماطلة والرماديّة بعد اليوم.
وفي تقدير أوساط سياسيّة أنّ أركان السلطة والمعارضة على السواء باتوا يدركون أنّ حكومة ميقاتي هي اليوم في صدد الاستعداد للمواجهة الأخيرة قبل السقوط. ولذلك بدأ كلّ طرف داخليّ البحث عن الطريقة التي يراها مناسبة، كي يخوض غمار الاستحقاقات المقبلة.
فرئيس الحكومة يحاول إطالة الفترة الفاصلة عن الانفجار، ومعه رئيس الجمهورية الذي سيجرّب تعويم الحوار، ولو شكلاً. وأمّا النائب وليد جنبلاط فيهمّه تمرير المرحلة أمنيّاً لأنّه يدرك خواتيمها. فيما يستعدّ حلفاء النظام السوريّ في لبنان للمعركة الكبرى، بما أمكن من وصاية على الأمن والسياسة. وهذا الاستشراس يدفع الى احتدام المواجهة بين القوى اللبنانيّة تحت العنوان السوريّ. وباتت 14 آذار مضطرّة الى الانخراط في المعركة، بعدما بات الحدث السوريّ جزءاً من المشهد اللبناني الداخلي. فالدكتور سمير جعجع أطلق اتّهامات لمرجعيّات أمنيّة وقضائية رفيعة بتنفيذ عمليّات ضدّ معارضين سوريّين أو تغطيتها. وتستعدّ المعارضة لخطوات ميدانيّة لدعم حضور اللاجئين الى عكّار. ويأتي الظهور القويّ للرئيس سعد الحريري عبر "تويتر" ليبدّد تماماً كلّ تحفّظ في التزام الدعم الكامل للمعارضة السوريّة.
وهكذا بدأت القوى اللبنانيّة المتصارعة تخوض "ميدانيّاً" المعركة السوريّة، مع النظام وضدّه. ولذلك تبدو الملفّات الداخلية نائمة تماماً، بما فيها الموازنة التي يعطّلها بند التمويل. وقد يجد حلفاء النظام في لحظة معيّنة أنّ من الأفضل لهم إسقاط الحكومة وتحويلها الى حكومة تصريف للأعمال، بحيث يقلّصون حجم الضغوط التي يتعرّضون لها من المجتمع الدوليّ. وثمّة من يعتقد أنّ ذلك الخيار لا يزعج هؤلاء لأنّهم يطمئنّون الى أنّ لا قدرة في ظلّ الظروف الراهنة لتأليف حكومة جديدة.
نافذة بلمار إلى العقوبات
والعنوان الأرجح الذي من شأنه إسقاط الحكومة هو المحكمة الدوليّة. والمسألة لم تعد محصورة بالتمويل، ولا بتمديد بروتوكول التعاون في آذار، بل تعدّتهما إلى مدى التزام الحكومة التجاوب مع طلب المحكمة تسليم المتّهمين الأربعة. وقد جاء موقف المدّعي العام دانيال بلمار الداعي الى مثول الحكومة أمام المحكمة، واستجوابها حول هذه النقطة، ليدعم هذا الانطباع. ويكشف موقف بلمار أنّ اللغة الدوليّة مع حكومة ميقاتي بدأت تتغيّر. وأنّ التعابير اللائقة التي يطلقها رئيس الحكومة في المحافل الدوليّة لن تنفع بعد اليوم.
فبلمار نفسه ورئيس المحكمة الراحل أنطونيو كاسيزي كانا وصفا التجاوب اللبناني مع متطلّبات القرار الاتّهامي بأنّه "مقبول". وأعطى كاسيزي السلطات اللبنانيّة مهلة جديدة لملاحقة المطلوبين، تُواكب التقرير الدوري المطلوب منها. لكنّ التوصيف يتبدّل اليوم، ولو جرى اعتبار موقف بلمار غير ملزم للمحكمة. وتتحدّث مصادر مطّلعة عن أنّ مسألة التجاوب اللبناني مع طلب تسليم المتّهمين جرت مناقشتها في المحكمة، عند تسلّمها الردّ اللبناني. وهناك عناصر ترجّح النظرية التي تتّهم الحكومة بالرضوخ لإرادة "حزب الله" في عدم تسليمهم. وهذا ما يمكن أن يحوّل الملفّ الى مجلس الأمن الدوليّ، فيتمّ فرض عقوبات على لبنان وفقاً لأحكام الفصل السابع من نظام الأمم المتّحدة.
وهذه العقوبات تقترب أيضاً من بوّابة أخرى، هي بوّابة "التواطؤ" لحماية النظام من العقوبات الاقتصادية والماليّة المفروضة عليه، بحيث يكون لبنان المتنفَّس الذي يبحث عنه النظام، فيما يشتدّ الخناق عليه.
وتسجّل مصادر سياسيّة تزامُناً وتوازياً ما بين الحدثين السوريّ واللبنانيّ في الأسابيع الأخيرة، في ظلّ عناصر مشتركة أو متّصلة، بما يرجّح انغماس القوى اللبنانية مباشرة في المعركة السوريّة، داخليّاً ومع المجتمع الدولي. ومن هنا المخاوف الجدّية من سياسة "تصدير الثورة" التي يتّبعها النظام بما تهدّد به من تداعيات أمنيّة خطرة، وليس فقط سياسيّة واقتصاديّة، على لبنان.

