ذاكرة الحرب اللبنانية واحتمالاتها «الآتية»

في الحرب اللبنانية، أي التي جرت على أرض لبنان بالتناغم بين إرادات خارجية وقابليات داخلية، كان البعد الديني والطائفي ثانوياً في الأساس، ثم بذل جهد محموم لتحويل الثانوي أساسياً وعضوياً، لأن المطلوب كان إطالة أمد الحرب ومضاعفة بشاعاتها، فإذا ما بقيت في حدودها الاجتماعية لا بد من أن يعود المجتمع الأهلي إلى وعيه ويكتشف أنه هو، بكل أطيافه، المتضرر الوحيد منها، لذا كان لا بد من دفع البعد الديني والطائفي والمذهبي إلى أتون المعركة غطاء ومدداً لها، فأهلت بذلك الطوائف والمذاهب للقتال الداخلي (داخل المذهب والطائفة) بناء على أن الانقسام والصراع الدموي إذا بدأ من مستوى معين في اتجاه التفكيك فإنه لا بد من أن يشمل المستويات كافة، وهكذا كان. أما الآن فإن البعد الاجتماعي غائب وليس مغيباً فقط، والبعد الديني والمذهبي ليس مستحضراً كعامل إضافي بل هو حاضر كبعد أساسي ويكاد يكون حصرياً، ولذلك أسباب كثيرة، تكمن في فشل الدولة الوطنية بعد فشل المشروع القومي، أي فشل الحداثة لأسباب داخلية وخارجية، علماً أن الداخلية هي الحاسمة وإلا ستظل الولايات المتحدة وإسرائيل شماعة تعلق عليها كل البشاعات والإعاقات.

اقرأ أيضاً: أنت في إيران كُنْ أنتَ حيث أنت

ومن هنا كانت انكشافات الدولة والأحزاب، يمينها ويسارها، وظهور العصبيات الدينية والمشروعات الطائفية، جراء الخوف من الماضي والحاضر والمستقبل الذي يسكن وعي أو لا وعي المواطنين ويجبرهم على البحث عن الأمان المفقود، في جماعاتهم التي لا تؤمن لهم الحماية الكاملة، أي الخطر الكامل عليهم وعلى الآخرين، إلا إذا أملت شروطها عليهم وأذعنوا لها متخلين عن شروطهم الآتية من معرفتهم وخياراتهم وخبراتهم وعلائقهم الشخصية بالذات والآخر. وهذا الاحتماء يقتضي أن يساهم الأفراد في بناء الأسيجة المسلحة حول الجماعة بالأيديولوجيا والسلوك والسياسة والسلاح والجنوح الدائم إلى الماضي الخاص والإشكالي والدامي، بدل النزوع إلى المستقبل الذي لا يمكن بناؤه إلا على الشراكة، أي الاعتراف بالآخر، لا تسامحاً بل كشرط وجودي ومعرفي، فيما الماضوية تملي إلغاء الآخر كشرط وجود يؤدي إلغاؤه في المحصلة إلىإلغاء الذات. لكن هذه المعادلة لا تتضح عادة إلا بعد حصول الكارثة، أي بعد أن تتبادل الجماعات وظيفة التدمير بينها ثم تكتشف بعد فوات الأوان أنها توغلت كثيراً في فصالها وصراعها وتراجعت قدراتها على إيجاد مخرج حقيقي من أزماتها المتفاقمة، ما يحتمل معه أن تؤول أكثرية البلدان العربية، التي تعيش الآن إشكالية التعدد وتدفعه بالقصور والتقصير الرسمي والأهلي في اتجاه الفصال، إلى التسليم أو السعي إلى الفيديرالية مخرجاً من الأزمة بأزمة، أي إن التسوية التاريخية ستتحول إلى أزمة تاريخية التي تعود إلىإنتاج أزمة تاريخية أخرى بعد حين، لأن جهاز المناعة الوطنية يصاب بالعطل الدائم لتشتغل الأطراف وحدها من دون جامع يجمعها.

الحرب الاهلية اللبنانية
من اللافت أن يرتفع شعار «لبنان أولاً»، وعما قليل «العراق أولاً»، وربما غيره وغيره وهلم جراً… أليس لأن الوطن مجتمعاً ودولة أصبح أخيراً وأصبحت الطائفة أولاً وآخراً؟ كأن هناك شعوراً بأن الكيان الوطني ودولته واجتماعه إلى فراق وفصال كامل، ومن هنا العودة، كما دائماً، إلى الشعار الذي كان يجب أن يكون سابقاً فصار لاحقاً، أي بعد فوات الأوان، كأننا نودع فعلاً ونستقبل وهماً.
نعود إلى ما بدأنا به. إذ يبدو أن الصراع السلمي المتوتر والذاهب إلى الحرب، إن عاجلاً أو آجلاً، في لبنان، سيكون هذه المرة طائفياً بامتياز وشاملاً، ما يعني أن بعض المشاهد التحالفية بين بعض الطوائف أو بين أبعاض بعض الطوائف آيل إلى انفكاك ليعود سلوك القطيع الطائفي إلى السيطرة الكاملة. ويبقى الأفراد الشواذ خارج طوائفهم من حيث الفعالية وهم محسوبون على طوائفهم لدى الطوائف الأخرى، أي إن وطنيتهم لا تكفي ولا تحمي أرواحهم ولا أجسادهم، وما هي في النهاية الا رصيد الفقراء، ومظهر ضعف لا قوة… إذ إن المعادلة في لبنان الآن كالتالي: قوة في الطائفة تساوي ضعفاً في الوطن، وقوة في الوطنية تساوي ضعفاً في الطائفة. وأنت بين خيارين: فإما أن تثبت وجودك في طائفتك أو أن تثبت ديموقراطيتك بالانفصال عنها.

اقرأ أيضاً: سياسة محشوة بالمذهبية أو أسباب مذهبية مدهونة بالسياسة.. والله أعلم

أخلص من هذا كله إلى صورة افتراضية لحال الحرب التي سيختلط خلالها الحابل بالنابل فعلاً هذه المرة، لا على طريقة زياد الرحباني في ماضي حربنا الآتية. وأتصور حال أصدقاء أخذوا راحتهم في السباحة في فضاء الحرية فأصبحوا في حياتهم وكأنهم تركيب آت من عالم آخر. ماذا سنفعل ويفعل، مثلاً، روجيه عساف الجنوبي أصلاً البيروتي فصلاً، أي الذي حمل قلبه الريفي الجنوبي إلى عقل المدينة، وقيمه الكاثوليكية وحلمه الطبقي الذي أتى من مروره الشفاف وغير العقائدي بالماركسية واستراح تحت النخلة الفلسطينية متشبثاً بالبندقية المؤنسنة بغصن الزيتون، ثم اكتشف أنه مسلم وغير مضطر للتنصل من كاثوليكيته لإثبات ذلك، وتزوج من حنان الحاج علي التي ذهبت صائمة في شهر رمضان إلى باريس لتبدع في عمل مسرحي وهي عطشى ومحجبة ويقف أمامها مدير الفرقة اليهودي منوهاً بإبداعها متمنياً عليها أن تدعو له في صلاتها عند إفطارها… تزوجا وأنجبا أعمالاً مسرحية رائدة، وأبناء وبنات، علي وزينب ومريم وتواصلت كربلاء بالجلجلة من دون أن يتحول إسلامهما إلى شرنقة… أين يذهبان في الحرب مع أولادهما؟ ومن هما أساساً وما هما؟ أليس عليهما مع أولادهما أن يلزما منزلهما حتى لا يموتا على هذا الحاجز أو الحاجز المقابل؟ وماذا يفعل وليد نويهض الذي يدير الآن تحرير جريدة وطنية بحرينية معتدلة، ويحظى باحترام السنّة في البحرين، والمجتمع والدولة، وهو الدرزي القومي السوري أولاً ثم القيادي في منظمة العمل الشيوعي لاحقاً، باحثاً عن الحق والحقيقة وفلسطين، مائلاً إلىالإسلام قبل الصحوة، أي مختاراً غير ملتحق، والذي اختار المذهب السني رسمياً من دون أن يتنكر لدرزيته أو يفهم التسنن مقابلاً للتشيع، بدليل أن زوجته شيعية وهو لا يشكو منها وهي لا تشكو منه، ويفتح لها في المنزل والعمل باباً من الحرية يفضي إلى فضاءات شاسعة… وهي تحرره من خلال العمل الدائم على توسيع المشترك بينهما وينتجان بنتاً وولداً سليمين من سعار الهوية آتيين من لندن إلى بيروت والمنامة ورأس المتن ووطى المصيطبة وبدنايل ومن غزة إلى لندن مروراً ببغداد والقاهرة وفاس… وسلطان الأطرش وشكيب أرسلان وعجاج نويهض ونديم ناصر الدين وهولو ورستم حيدر؟
الأفضل لروجيه عساف ووليد نويهض أن يقضيا ما تبقى من عمرهما في قصيدة ت. إس. اليوت «الأرض اليباب» أو في مسرحيته «جريمة قتل في الكاتدرائية»… وأنا سأبحث عن طريق يعيدني إلى «كليلة ودمنة» أو رواية إميل حبيبي «سعيد أبو النحس المتشائل» أو صلاح عبدالصبور:
«هذا زمن الحق الضائع
لا يعرف فيه مقتول من قاتله ومتى قتله؟
ورؤوس الحيوانات على جثث الناس
ورؤوس الناس على جثث الحيوانات
فتحسس رأسك… فتحسس رأسك».
وأسكن نهج البلاغة: «كن في الفتنة كابن اللبون، لا ضرع فيحلب ولا ظهر فيركب».

(من كتاب في وصف الحب والحرب)

 

آخر تحديث: 27 مارس، 2017 7:10 م

مقالات ذات صلة >>

ننصحكم >>