الطائفية من دون إلغاء الطوائف.. ريمون اده يموت مرة أخرى

أكتب هذا الكلام في الساعة الثانية من ليلة السبت الأحد مع الساعات الأولى من يوم التاسع عشر من أيلول وأنا ما زلت ساهراً أو مُسهداً بسبب الرعب الذي فاجأني من دون سبب!!! أمس السبت الثامن عشر من أيلول، لا بسبب أنه قبل أيام قد مرت علينا ذكرى الحادي عشر من أيلول.. لأن هذه الحادثة أقل حجماً وخطورة بكثير مما أتوقعه، ولا لأن عيد الفطر مرّ علينا وكأنه مأتم.. أو كأنه عيد المتنبي ذاته.. بل لأن هذا اليوم ألزمني، ولا أدري لماذا؟ قارئي العزيز لا تقل لي إنك تكذب بهذا السؤال، هذا ليس سؤالاً استفهامياً ناتجاً عن جهل، هذا سؤال استنكاري ناتج عن علم، ولكن لا بد من التمويه حفظاً للرأس والعرض وحرمة المنزل.. لقد استبد بي الرعب يوم السبت، وأنا قبل ذلك، أي في ماضي الأيام والشهور والسنين، ومنذ عشر سنوات تقريباً.. وقبلها بعشر أو عشرين أخرى، لم أكن خالياً من الرعب، ولكن في يوم السبت (سبتمبر إيتين) بلغ سيل الرعب الزُّبى، وبلغت الروح الحلقوم.. واشتدت شهوتي إلى الطعام دون الشراب.. وزادت نسبة السكر القليل في دمي.. وقمت لقضاء حاجتي الصغرى بمعدل مرتين كل ساعة، وإن كنتُ أكابر وأحصر وأحقن وأؤجل، وعندما يستعصي عليّ فهم شيء، أعرف السبب فأقول: يا صبي صلّ على النبي، وقم إلى حاجتك من أجل أن تتفرغ لفكرتك «ومنللي يا ذلي».. وأي فكرة؟ الوحدة، الوفاق، التنمية الشاملة المتوازنة، الحرية، التقدم، العدالة، البيئة، المرأة، الفقر، الجهل، الثقافة، رسالة لبنان، الحوار، العيش المشترك، التقريب بين المسلمين، الديموقراطية، المواطنة، العراق، مصر، الصومال، اليمن، القدس، الحضور المسيحي، الدولة المدنية..؟ كل هذه القصائد تتعرض لتسونامي طائفي، ولا يبقى عليك إلا أن تبحث عن دينك وإيمانك وغدك وروحك وحلمك في مكان ما. أين؟ أنا ذاهب بعد أيام إلى عمان لأحاضر في فقه البيئة وقد اتصل بي وزير الثقافة في إقليم كردستان، الصديق الجميل (كاوه محمود رشيد) وعبّر عن شوقه وشوق الأصدقاء لعودتي إلى كردستان التي أحبها من دون أن أنزع عني ثوبي العربي.

اقرأ أيضاً: الدين بين المحبة والكراهية

قلتُ إذن أكمل الطريق إلى أربيل، يعني «ابعد عن الشر وغنيلو» معقول! وأهلك.. أولادك وأحفادك وأصغرهم مهيار!! وأختك وأمك، التي تضحك مستبشرة وتقول لك إنها تعد أيامها أي إنها سوف تموت وكأنها ذاهبة إلى عرسها!! وتظن أنها فرصة لأنها سوف تلاقي والدك.. فتنفي رغبتها في ذلك بشكل قاطع.. ألا يكفيك أنك متهم بالانشقاق عن جماعتك وأنت متشبث بها إلى حد الخوف أن لا يبقى في يدك منها إلا ثوبها خالياً من روحها.. تماماً كما قلة من كل طائفة، وهل أحلى وأطيب من طعم التمايز عن القطيع في لحظة الهيجان مع الإصرار على عدم الاندماج في قطيع هائج آخر؟ عفواً.. أنا أجرب قلة الأدب بسبب العدوى.. والوباء المنتشر… لقد شربت من البئر طوعاً أو كرهاً.
أريد أن أختم.. وإلا كتبت ألف صفحة وصفحة، لأن القلب مليان بالقيح.. أريد أن أقول بأني منذ عصر يوم السبت الثامن عشر من أيلول، قبل بدء فصل الخريف بثلاثة أيام.. وكنا إذا ما وافانا الخريف في طفولتنا استمتعنا.. بالمدرسة والكتاب الجديد وقد يكون الثوب جديداً وقد لا يكون.. وباللون الرمادي الذي يصبح غالباً على الطبيعة.. وبسرقة الرمان والحامض منه خاصة، من حقلنا أو حقل الجيران، وبعصافير الخريف السمينة والمميزة والتي نصطادها بالفخ ودود الذرة، مثل (العتيق الغبور) والعضيض الأكحل والأحمر والوعري التي تأتي متأخرة عن الأزهر و(الأبرش..) ليتني تعلمت اللغة الانكليزية، لكنت استمتعت كثيراً بقصيدة إليوت (الأرض الخراب أو اليباب) والتي يفتتحها بالكلام عن بشائر الريح والعاصفة والمطر في (سبتمبر).. أيلول الذي يبشرنا الآن برياح سموم ومطر كمطر (المنذرين) وثلج أسود كنوايانا وعصافير كاسرة كأنها الأبابيل.. أختم هذه المرة من دون تردد: كنتُ إلى ما قبل يوم واحد مستاء وخجلاً من ضعف ذاكرتي القريبة. أما الآن فإني اعتبرها نعمة عظيمة ومنحة من الله كرمني بها. وسأتناول كل الأطعمة والأدوية التي تساعدني على المزيد من ضعف هذه الذاكرة ومنها الأجبان، كما قالت جدتي مرة ونهتني عن أكل الجبنة التي كانت تبيعها لأهل اليسر، وأنا أسطو عليها خلسة… وأقنعتني بأنها تضعف الذاكرة. ولم أنتبه إلى أن الفرنسيين يكادون أن يأكلوا الجبنة حتى في نومهم، ومع ذلك فذاكرتهم قوية.. ولكنهم نسوا مع كل الأوروبيين خمسمئة سنة من الحروب الدينية وأقاموا الاتحاد الأوروبي وتذكروا غدهم، ونحن كلنا مشغولون يومياً بنبش القبور!

الطائفية

إذا وفقني ربي في إضعاف ذاكرتي القريبة أكثر… سيكون بإمكاني أن أنام ملء جفوني عن شواردها وكأني مجنون أو أطرش أو أعمى أو فنان عظيم. وأحلم كأني أبله.. أبله!!!
ولعنة الله على هذا الوعي المشوّه والمشوّه. على هذا الخطاب الذي يشكل لأحفادي ذاكرة دميمة متورمة.. بثور ذاكرة.. جرب.. طاعون.. حصبة.. كوليرا.. هواء أصفر، باسور، سيدا، بلهارسيا، جدري، برَص، نقرس، بُهاق، وما أحلى الزهايمر والباركنسون!
لن أتذكر إذا وفقني الله إلا أصدقائي القدامى.. ورفاق المدرسة الابتدائية وصيد العصافير وسرقة صحارى القثاء والبعجور وزملاء تدخين السجائر البلدية سراً.. والمنافسين على حب الصبايا العائدات من قطاف التبغ مع حمّارة الشمس، يعشيهن النور القوي، فيتقينه باليد المحناة بمرارة التبغ.. وتتنهد.. لو أنك أكبر قليلاً وقد أمنت شيئاً من مستقبلك لتزوجتك وارتحت من السهر الطويل في الحقول ومن المرارة.. وتشير مبتسمة إلى ريحان عذارك وهو يتسلل خجولاً متردداً.. وتقول لك: عجل (إكبر) ولا تفهم.. تفهم بعد سنوات. ليتني لا أستطيع أن أتذكر إلا المستقبل.. المستقبل.. وإذا كان مستقبلك هو الماضي فماذا تتذكر ولماذا؟

تباً للذاكرة الناشطة والقوية لأنها عبء على صاحبها (شغلة بال) وتباَللذاكرة الضعيفة لأننا مهما نستلطف مفارقاتها وطرائفها، فلا شيء يمنع من أن تحولنا في لحظة إلى أضحوكة.. كالتي يرويها كثيرون عمن ضعفت ذاكرتهم فاهتز موقعهم حتى في نفوس من يأتمون بهم إذا كانوا أئمة مساجد. وفي نفوس مرافقيهم وخدمهم إذا كانوا من القادة السياسيين الأغنياء… بالحلال أو بالحرام.. لا فرق.. اللهم أعدني إلى الوسط في الذاكرة والفكر والدين والاجتماع، إلى وسط المدينة، إلى الوسط أي رأس الجبل حتى أنكشف وأكشف ولا ينطلي علي شيء ولا أنطلي على أحد.

قلت تباً للذاكرة لأني تذكرت.. صدفة.. صباح اليوم التالي ليوم السبت أوائل الحرب كان لنا سبت أسود لا أعادنا الله إلى مثله تذكرت ما حدث وجعلني أكتب.

فقد جاء في نشرات الأخبار أن المرحوم ريمون إده قد عاد حياً يرزق بقدرة قادر لأن لبنان وليس اللبنانيين اكتشف أنه بحاجة إليه… إلى أفكاره الديموقراطية.. فليطلقها وليعد حيث كان إن شاء وإن شاء بقي في هذه الدنيا وهذا الوطن مواطناً عادياً يستمتع بالديموقراطية.. وهبّ اللبنانيون جميعاً.. من المهمشين في طوائفهم إلى المحبطين بإحباط طوائفهم إلى الحائرين مع طوائفهم أين يذهبون أو يتلطون؟ وذهب عدد كبير من الناس إلى المرفأ (البور) لاستقبال الرجل ممثلين لمؤسسات المجتمع الأهلي الذي يشبه المدني لولا استشراء العصاب الطائفي، والمؤسسات الدينية العليا التي لا يجد أحد من زعمائها مانعاً من خفضها إلى الحضيض.. لولا أن بعضها يمانع لأنه لم يعيّنه أحد بقرار أو مرسوم..

وهبط الرجل حاسر الرأس أصلع، سلّم الباخرة ولعل اسمها (شامبليون) وسار بهدوء بسبب الإرهاق والشيخوخة والغياب الطويل عن الوطن والوقار الديموقراطي، وعلا هتاف من مكان في أقصى الجمع «بالدم بالروح نفديك يا عميد» ولم يلبث كارلوس أن أسكتهم وهمس في أذن أحد المشايخ الديموقراطيين من المسلمين قائلاً: «هوذي مسيحيين جايين من عكار وبنت جبيل والنبطية وعرسال والهرمل.. مع ما يلزم من الأخطاء (المهضومة)»… فقال الشيخ وهو يهز سبابته اليمنى في وجه كارلوس، إن فيهم أشخاصاً من الرابية والنقاش وزحلة والقاع والقبيات والعاقورة وزغرتا وبشري وجزين. و«اللي بيتو من قزاز لا يراشق بالحجارة» وكاد الاستقبال يفرط.. ولكنه عاد فانفرط.. إذ إن العميد وصل إلى وسط الجمع وأخذ يصافح ويقبل ويعانق من دون نفس.. وفجأة رآه الجميع يسقط صريعاً.. وقد تبين للسلطات المعنية بعد ساعات من مصرع الديموقراطية أن المطران فلان المعروف بأنه لا يؤذي نملة ويفكر بإيذاء الفيل ولكن الفيل يؤذيه، قد اعتنق العميد وخبطه على نافوخه بنسخة مجلدة بجلد صلب من الإنجيل.. لفظ الرجل أنفاسه.. ولم أعد أرى أو أفهم شيئاً.

اقرأ أيضاً: الحياة الزوجية وأحلام الكتاب

رأيت ذلك في ما يرى النائم عندما ينام متخماً أو مرعوباً من أحد أو وطن أو دولة أو سلطة أو عدو أو صديق أو طائفة أو شخصية روحية أو ثقافية، قفزت من فراشي إلى الشرفة فوجدت الشارع خالياً إلا من ببغاء فرت من قفصها ولا تعرف أين تذهب.. وإلى جانبها شرطي يبدو أنه يحسدها على حريتها من دون أن يفكر أين تنام بعدما كان القفص قد صار وطنها الوحيد.. فهل تبحث عن قفص آخر وقد ضيعت وطنها أم تضيع!! لقد سألت مفسري الأحلام المحترفين عن سبب رؤيتي هذه فقالوا: لأنك مهتم بالحوار الإسلامي والمسيحي والعيش المشترك في لبنان والديموقراطية وإلغاء الطائفية من دون إلغاء الطوائف.

(من كتاب في وصف الحب والحرب)

آخر تحديث: 20 فبراير، 2017 5:30 م

مقالات تهمك >>

ننصحكم >>