يقف لبنان أمام أسبوع مفصلي تتقاطع فيه الحسابات الدولية مع الاستحقاقات الداخلية، في وقت تتجه فيه الأنظار إلى اللقاء الذي يجمع الرئيس الأميركي دونالد ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، وما يمكن أن ينتج عنه من مواقف أو تفاهمات تتصل بلبنان، بالتوازي مع استمرار الدولة اللبنانية في التمسك بمسار التفاوض لتثبيت اتفاق الإطار وتوسيعه، رغم استمرار الخروقات الإسرائيلية في الجنوب.
لكن المشهد الداخلي لا يبدو أقل تعقيداً من المشهد الإقليمي، إذ تزامنت الحركة السياسية الداعمة لرئيس الجمهورية جوزاف عون مع عودة مفاجئة لتحركات المودعين في الشارع، في توقيت يراه مراقبون أبعد من مجرد احتجاج على الأزمة المصرفية، ليحمل أبعاداً سياسية وأمنية تتصل مباشرة بموازين القوى الداخلية.
حشد سياسي خلف عون… وتثبيت خيار الدولة
تكشف حركة اللقاءات التي شهدها قصر بعبدا خلال الساعات الماضية عن وجود مظلة سياسية آخذة في الاتساع خلف رئيس الجمهورية، بعدما توالت مواقف التأييد من قوى سياسية مختلفة، أبرزها “القوات اللبنانية” وعدد من النواب المستقلين والتغييريين، الذين أعادوا التأكيد على دعم خيار حصر السلاح والقرار الأمني والعسكري بيد الدولة، واستكمال مسار التفاوض الهادف إلى استعادة الأراضي المحتلة وتأمين عودة الأهالي وإطلاق ورشة إعادة الإعمار.
ولا تبدو هذه المواقف معزولة عن المناخ الدولي الذي رافق زيارة عون إلى واشنطن، إذ تشير المعطيات إلى أن السلطة اللبنانية تحاول استثمار الزخم الخارجي لإعادة تثبيت موقع الدولة باعتبارها المرجعية الوحيدة في الملفات السيادية، مستفيدة من الدعم العربي والدولي المتنامي لهذا الخيار.
وفي السياق نفسه، يكتسب الاهتمام البابوي بالوضع اللبناني أهمية خاصة، ليس فقط من الناحية المعنوية، بل باعتباره رسالة إضافية تؤكد استمرار الاهتمام الدولي باستقرار لبنان، في مرحلة تتزايد فيها الرهانات على نجاح الدولة في تثبيت الأمن جنوباً.
تحريك المودعين… احتجاج مالي أم رسالة سياسية؟
في المقابل، لم تمر عودة المودعين إلى الشارع مرور الكرام، خصوصاً أن التحركات جاءت بالتزامن مع اقتراب لجنة المال والموازنة من إنهاء مشروع قانون إصلاح المصارف، وهو القانون الذي يشكل أحد أبرز شروط المجتمع الدولي لاستكمال مسار الإصلاح المالي.
وترى أوساط سياسية أن توقيت التحرك ومكانه، ولا سيما في سن الفيل والمكلس، لا يمكن فصلهما عن المناخ السياسي السائد، معتبرة أن الرسالة تتجاوز الضغط على القطاع المصرفي لتصل إلى السلطة السياسية نفسها، وخصوصاً إلى رئاسة الجمهورية والمؤسسة العسكرية.
وتضيف هذه الأوساط أن الجهات التي تحرك الشارع تدرك حساسية المرحلة، وتحاول الإيحاء بأنها ما زالت تمتلك القدرة على تعطيل الاستقرار وإرباك السلطة عبر استثمار الملف الأكثر حساسية لدى اللبنانيين، أي أموال المودعين، في لحظة تتجه فيها الدولة نحو استكمال الإصلاحات المطلوبة دولياً.
ولا يعني ذلك التقليل من حجم معاناة المودعين، الذين لا يزالون يدفعون ثمن الانهيار المالي، إلا أن استغلال هذا الوجع في لحظة سياسية دقيقة يطرح تساؤلات حول الأهداف الحقيقية الكامنة خلف هذه التحركات.
عين على واشنطن… وأخرى على الجنوب
في موازاة ذلك، يبقى اللقاء الأميركي – الإسرائيلي الحدث الأكثر تأثيراً على مستقبل الساحة اللبنانية، إذ يُرجح أن يحتل ملف الجنوب و”حزب الله” موقعاً متقدماً في جدول المباحثات، إلى جانب الملفين الإيراني والغزاوي.
وفي المقابل، تراهن بيروت على استمرار المسار التفاوضي الذي يفترض أن ينتقل إلى جولة جديدة في روما مطلع آب، وسط محاولة لتوسيع نطاق المناطق التجريبية وتعزيز فرص تثبيت اتفاق الإطار، رغم استمرار الغارات وعمليات التفجير الإسرائيلية في الجنوب.
ويبدو واضحاً أن السلطة اللبنانية تحاول الفصل بين التصعيد الميداني والمسار السياسي، إدراكاً منها أن أي انهيار للتفاوض سيعيد البلاد إلى دائرة المواجهة المفتوحة.
اختبار السلطة يبدأ من الداخل
وفي انتظار ما ستسفر عنه الاتصالات الدولية، تبدو السلطة اللبنانية أمام اختبار داخلي لا يقل صعوبة عن التحديات الخارجية.
فالرهان لم يعد يقتصر على نجاح المفاوضات أو الحصول على ضمانات دولية، بل يمتد إلى قدرة الدولة على حماية الاستقرار الداخلي، ومنع تحويل الملفات المعيشية والمالية إلى أدوات اشتباك سياسي.
ومن هنا، فإن مشهد الدعم السياسي المتنامي لرئيس الجمهورية يقابله مشهد آخر عنوانه محاولات الضغط عبر الشارع، في معادلة تؤكد أن المرحلة المقبلة لن تكون مجرد تفاوض مع الخارج، بل أيضاً مواجهة داخلية على هوية الدولة، وعلى قدرة مؤسساتها في فرض الاستقرار، واستكمال مسار الإصلاح، ومنع إعادة إنتاج الفوضى تحت أي عنوان.

