أخذ الله رهينة: كيف تُنتج التسمية واقعاً وتفرضه

منى فياض

استمعتُ إلى مقابلة مع البروفيسور فيليب سالم، ولفت نظري مقاربته لكلٍّ من إسرائيل وإيران، كدولتين دينيتين وحيدتين في العالم. فوليّ الفقيه الإيراني هو ظلّ الله على الأرض، أما إسرائيل فسبّاقة في هذا المجال منذ حوالي ألفَي عام، عند تسمية أنفسهم “شعب الله المختار”.

ولقد وُضعنا بين فكّي هاتين الدولتين.

أخذ الله رهينة

أشار فيليب سالم إلى أن ما نشهده هو تحويل “الله” إلى أداة في الصراع السياسي، أو ما يعبَّر عنه بصورة مكثفة بفكرة “أخذ الله رهينة”. فحين يُستدعى الله داخل تسمية أو خطاب سياسي بوصفه مصدراً حصرياً للشرعية، لا يعود مرجعية أخلاقية جامعة، بل يتحول إلى مورد يُحتكَر ويُستخدَم لإغلاق النقاش وتبرير السلطة.

في لبنان، لا يمكن التعامل مع اللغة السياسية بوصفها مجرد وسيلة تعبير، بل بوصفها أداةً لإنتاج الواقع نفسه. فالتسمية ليست وصفاً محايداً، بل فعلٌ تأسيسي يحدد موقع الفاعل وحدود النقاش حوله. ومن هنا تكتسب بعض التسميات طابعاً خاصاً، لأنها لا تكتفي بتعريف نفسها، بل تعيد تعريف المجال الذي تتحرك فيه.

يظهر ذلك بوضوح في اسم “حزب الله”، حيث لا تُطرح الجماعة بوصفها حزباً بين أحزاب، بل بوصفها كياناً مرتبطاً مباشرة بمرجعية متعالية. هذا الربط لا يعمل على مستوى الرمزية فقط، بل يُنتج أثراً حاسماً: نقل الفعل السياسي من مجال قابل للنقاش إلى مجال يُفترض أنه محصّن مسبقاً ضد المساءلة. فحين تُعرَّف الجماعة من خلال علاقة مباشرة بالله، يصبح الاعتراض عليها كمساسٍ بمصدر الشرعية ذاته.

إغلاق النقاش عبر اللغة

بهذا المعنى، لا تعود التسمية مجرد عنوان، بل تتحول إلى إطار إدراكي يسبق كل نقاش. فهي تحدد من يملك الحق في الكلام، وما الذي يمكن مساءلته، وما الذي يُرفع فوق النقاش. وهنا تتضح وظيفة التسمية كأداة إغلاق؛ إذ لا يُطلب من الخطاب أن يبرر نفسه، بل يُعاد تعريف أي اعتراض عليه بوصفه خروجاً عن الجماعة أو عن “الحق”.

هذا ما يفسر كيف تتحول اللغة إلى أداة تأديب، كما يظهر في حملات التخوين والتشهير، وفي إنتاج تسميات من قبيل “شيعة السفارات” أو “لائحة العار والخيانة”. فهذه اللغة لا تهدف إلى الإقناع، بل إلى رسم حدود الانتماء، ودفع الأفراد إلى الاصطفاف تحت ضغط رمزي يخلط بين الاختلاف السياسي والانحراف الأخلاقي. وهنا لا يعود المجال العام فضاءً للنقاش، بل يتحول إلى مساحة مراقبة وضبط.

يمكن فهم هذه الدينامية أيضاً من خلال التحليل النفسي. فربط الفعل بمرجعية مقدسة يمنح الجماعة يقيناً يحميها من التصدع، ويحوّل أي معطى مخالف إلى تهديد لهويتها. كما أشار سيغموند فرويد، تعمل آليات مثل الإنكار والتبرير على إعادة تشكيل الواقع بما يحفظ تماسك الأنا، لا بما يعكس ما يحدث فعلياً. وهكذا، لا يتم التعامل مع الوقائع بوصفها معايير للحكم، بل كمواد قابلة لإعادة التأويل ضمن سردية ثابتة.

البنية الأيديولوجية وصناعة الذات

لكن هذه الآليات لا تكتمل إلا داخل إطار أوسع، هو الإطار الأيديولوجي. فكما يوضح لويس ألتوسير، لا تقتصر الأيديولوجيا على تقديم أفكار، بل تُنتج الأفراد كذوات ترى العالم من داخلها. في هذا السياق، لا يكون الاسم مجرد علامة خارجية، بل يصبح جزءاً من تكوين الذات نفسها، بحيث يُعاد إدراك الواقع من خلاله، لا العكس.

غير أن أخطر ما في هذه البنية لا يظهر فقط في التسمية، بل في ما تتيحه من خطاب يُلغي الإنسان نفسه. حين يُواجَه المعترض بسؤال من قبيل: “أنت أصلاً إنسان لتسأل؟”، كما وجّه يوماً نصر الله للبنانيين، وحين تُستبدل الحجة بادعاء “التكليف الإلهي”، كما ورد في السياق نفسه، نكون قد انتقلنا من إغلاق النقاش إلى إلغاء الطرف الآخر.

نحن هنا أمام شكل من العنف الرمزي يقوم على نزع الشرعية عن المختلف، بل ويُسحب من صاحبه شرطه الأساسي: إنسانيته.

في هذه اللحظة، تكشف التسمية وظيفتها القصوى: ليست فقط تبريراً للسلطة، بل أداة لإعادة تصنيف البشر أنفسهم، بين من ينتمي إلى “الحق” ومن يُدفع خارجه. وما يُقدَّم بوصفه يقيناً مقدساً، لا يكون سوى بنية مغلقة تُحصّن نفسها عبر إقصاء الآخر وتجريده من الشرعية، بل ومن الصفة الإنسانية ذاتها.

أزمة الخطاب… وأزمة العيش المشترك

من هنا، لا تعود المسألة خلافاً سياسياً يمكن احتواؤه، بل تصبح مسألة تتعلق بأسس العيش المشترك نفسه. فحين تتحول اللغة إلى أداة لإلغاء الإنسان، وحين يُختزل الله في تسمية تُستخدم لإغلاق النقاش، لا يعود الخطر في السلاح أو في القرار فقط، بل في المنظومة التي تجعل من الاعتراض خطيئة، ومن المختلف خصماً، ومن الإنسان نفسه موضع شك.

وهذه ليست مجرد أزمة خطاب، بل أزمة معنى وحدود: حدود السياسة، وحدود الدين، وحدود ما يمكن أن يبقى مشتركاً بين الناس.

السابق
ما بين إسرائيل وإيران.. أين تقع السيادة الوطنية اللبنانية؟