تُطرح اليوم في لبنان أسئلة كبرى حول معنى السيادة الوطنية وموقع القرار اللبناني في ظل الصراعات الإقليمية المتسارعة. وبينما تتداخل الملفات اللبنانية مع ملفات المنطقة، يجد اللبنانيون أنفسهم أمام نقاش سياسي حاد حول طبيعة التهديدات التي تواجه بلدهم، وحول كيفية حماية الدولة وقرارها الوطني.
وفي خضم هذا النقاش، تظهر محاولات لوضع إسرائيل وإيران في خانة واحدة، وكأن لبنان أمام خيارين متشابهين أو أمام تأثيرين متوازيين. لكن قراءة الواقع كما هو تفرض التمييز بين طبيعة كل حالة، لأن السيادة لا تُقاس بالشعارات، بل بالحقائق على الأرض.
الاحتلال الإسرائيلي وتحدي السيادة
إسرائيل ليست مجرد دولة تختلف مع لبنان سياسيًا، بل هي دولة احتلت أرضًا لبنانية، وخاضت حروبًا واعتداءات متكررة على لبنان، ولا تزال تحتفظ بمواقع وأراضٍ لبنانية، كما أنها ترفض، في كثير من الأحيان، التعاطي مع لبنان من منطلق الندية الكاملة بين دولتين ذاتي سيادة. وهي تسعى باستمرار إلى فرض شروط أمنية وسياسية تجعل لبنان في موقع الطرف الضعيف الذي يُطلب منه تقديم التنازلات قبل استعادة حقوقه.
إن أي حديث عن السيادة اللبنانية لا يمكن أن يتجاهل هذه الحقيقة. فالدولة التي لا تستطيع حماية حدودها أو استعادة كامل أراضيها تبقى أمام تحدٍ أساسي في مفهوم السيادة والاستقلال. ومن هنا، فإن مقاومة الاحتلال والدفاع عن الحقوق الوطنية ليست قضية مرتبطة بفريق لبناني دون آخر، بل هي قضية تتعلق بكرامة الوطن وحقه الطبيعي في أرضه.
رفض التبعية لأي محور خارجي
لكن، في الوقت نفسه، فإن الدفاع عن السيادة اللبنانية لا يعني القبول بأي تدخل خارجي آخر. فلبنان ليس تابعًا لإسرائيل، وليس تابعًا لإيران، وليس تابعًا لأي محور إقليمي أو دولي. إن القرار اللبناني يجب أن يبقى في يد اللبنانيين، وأن تكون الدولة ومؤسساتها الدستورية هي المرجعية الوحيدة في رسم السياسات الوطنية.
ومن هذا المنطلق، فإن رفض التدخل الإيراني في الشؤون اللبنانية هو موقف مشروع عندما يكون المقصود به الحفاظ على استقلال القرار الوطني. فلبنان يحتاج إلى علاقات طبيعية ومتوازنة مع جميع الدول، لكنه لا يحتاج إلى أن يكون ساحة لتنفيذ أجندات الآخرين، أو أن يتحول إلى ورقة في صراعات المنطقة. إن أي نفوذ خارجي، أياً كان مصدره، يجب أن يخضع لمعيار واحد: هل يخدم مصلحة لبنان أم لا؟
الاحتلال يختلف عن النفوذ السياسي
غير أن التمييز بين الملفات لا يعني تجاهل أي خطر، بل يعني التعامل معها بواقعية وعدالة. فهناك فرق بين دولة تحتل أرضًا لبنانية وتمارس ضغطًا عسكريًا مباشرًا على لبنان، وبين علاقات إقليمية أو سياسية يختلف اللبنانيون حول حجمها وتأثيرها. فالاحتلال قضية سيادية مرتبطة بالأرض والحدود، أما النفوذ السياسي فهو قضية داخلية تحتاج إلى معالجة عبر بناء الدولة وتعزيز مؤسساتها.
لقد أثبتت التجارب أن لبنان يدفع ثمن تحوله إلى ساحة صراع بين القوى الكبرى والإقليمية. فعندما يصبح القرار اللبناني مرتبطًا بحسابات خارجية، يخسر المواطن اللبناني أمنه واستقراره واقتصاده ومستقبله. لذلك، فإن الأولوية يجب أن تكون بناء دولة قوية قادرة على حماية شعبها وأرضها، وعلى إقامة علاقات خارجية متوازنة تحفظ مصالحها الوطنية.
الدولة وحدها صاحبة القرار
إن المطلوب ليس نقل لبنان من وصاية إلى وصاية، ولا استبدال نفوذ بنفوذ آخر، بل استعادة الدولة اللبنانية لدورها الكامل. الدولة التي تحمي حدودها، وتدافع عن حقوقها، وتقرر وحدها متى تدخل في حرب، ومتى تختار السلام، وفق ما تقتضيه مصلحة الشعب اللبناني.
إن السيادة الوطنية ليست شعارًا يُرفع ضد طرف ويُسكت عنه أمام طرف آخر. فهي مبدأ شامل: رفض الاحتلال الإسرائيلي، ورفض أي إملاءات خارجية، ورفض تحويل لبنان إلى ساحة صراع بين المشاريع الإقليمية. فاللبنانيون يريدون وطنًا لا يكون تابعًا لأحد، ولا رهينة لأحد، بل دولة حرة صاحبة قرار مستقل.
لبنان أولًا
بين إسرائيل وإيران، يجب ألا يضيع لبنان. فالمعادلة الحقيقية ليست اختيار محور ضد محور، بل استعادة لبنان لنفسه. فالأرض اللبنانية يجب أن تكون مصانة، والقرار اللبناني يجب أن يكون لبنانيًا، ومستقبل هذا الوطن يجب أن يصنعه أبناؤه، لا القوى التي تتصارع على أرضه.
إن السيادة التي نريدها هي سيادة كاملة لا تستثني أحدًا: سيادة تحرر الأرض من الاحتلال، وتحمي القرار من التدخل، وتعيد للدولة اللبنانية مكانتها الطبيعية بوصفها المرجعية الوحيدة لكل أبنائها.

