بعد مرور قرابة العامين على العملية العسكرية الأكثر إثارة للجدل في تاريخ الصراع، والتي أسفرت عن اغتيال الأمين العام السابق لحزب الله في غارات جوية عنيفة دمرت المربع الأمني للحزب في الضاحية الجنوبية لبيروت، رفعت مصادر استخباراتية وعسكرية إسرائيلية الستار عن معلومات سرية وتفاصيل مروعة تُنشر لأول مرة حول نمط حياة الزعيم الراحل، وأماكن تواجده، وكواليس الخطة الدقيقة التي صُممت لضمان تصفيته دون أي فرصة للنجاة.
ونقلت صحيفة “معاريف” الإسرائيلية عن عقيد احتياط في الجيش الإسرائيلي يُرمز إليه بالحرف “س”، والذي شغل منصب مدير بنك الأهداف في وحدة “نحلات بنيامين” التابعة لسلاح الجو، أن “الصورة النمطية الشائعة التي روجت لها وسائل الإعلام بأن زعيم حزب الله السابق كان يقضي حياته مختبئاً طوال الوقت داخل ملجأ مظلم تحت الأرض كانت غير دقيقة ومضللة”.
الحياة في الطابق الثامن.. تعقب الزوجة والمصعد السري
وفجر الضابط الإسرائيلي مفاجأة كبرى بكشفه أن نصر الله عاش لسنوات طويلة في شقة فاخرة من طراز “بنتهاوس” تقع في الطابق الثامن من أحد المباني السكنية العادية المطلة على أحياء الضاحية الجنوبية لبيروت. وأوضح العقيد “س” أن أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية تابعت تحركات القائد الراحل لفترة زمنية طويلة جداً وبدقة متناهية؛ حيث تمكنت من تحديد واختراق كافة شققه السكنية، ومنزل زوجته، بالإضافة إلى مقار الطوارئ البديلة التي كان يتردد عليها.
وأضاف الضابط: “لم يكن يقضي معظم وقته مدفوناً تحت الأرض، بل كانت هناك فترات طويلة يعيش فيها بشكل شبه طبيعي في شقة الطابق الثامن، وعندما كان يشعر بالخطر أو يحتاج إلى الاختباء الفوري، كان يستخدم مصعداً خاصاً ومتطوراً أُعد له خصيصاً داخل المبنى لينقله إلى التحصينات السفلية بسرعة فائقة”.
ليلة الـ83 قنبلة.. وخطة “الموت اختناقاً”
وفيما يتعلق باللحظات الأخيرة والتفاصيل التقنية لعملية الاغتيال التي نُفذت في 27 سبتمبر (أيلول) 2024، كشف مدير بنك الأهداف أن الطائرات الحربية الإسرائيلية ألقت 83 قنبلة خارقة للتحصينات وثقيلة الوزن خلال ثوانٍ معدودة فوق الموقع المستهدف، وهو نفس عدد القنابل الضخم الذي استخدمه سلاح الجو لاحقاً في تصفية خليفته رئيس المجلس التنفيذي هاشم صفي الدين.
وأشار العقيد إلى مفارقة قدرية بقوله: “في ذلك اليوم، كانت لدى نصر الله خيارات وأماكن أكثر تحصيناً وأماناً يمكنه اللجوء إليها، لكنه اختار في تلك اللحظة الذهاب إلى ذلك الملجأ المحدد الذي كنا نراقبه، وهو ملجأ عميق جداً يقع أسفل مجمع سكني مكتظ”.
وأوضح أن الهجوم نُفذ بتكتيك متزامن يهدف إلى إحداث انهيار هندسي كامل لحبس واحتجاز جميع الموجودين داخل الملجأ ومنعهم من الخروج؛ حيث قال: “قبل البدء بالعملية، سألت قائد وحدة الإنقاذ التابعة للجبهة الداخلية الإسرائيلية عن الوقت الذي يحتاجه فريقه للوصول إلى ضحايا تحت دمار بهذا الحجم، فأجابني: ست ساعات على الأقل. وبناءً على ذلك، قدرت أن الإمكانات اللبنانية في الإنقاذ أقل تنظيماً، فصممت الخطة على أساس منع أي محاولة إنقاذ أو اختراق للركام لمدة 12 ساعة متواصلة؛ لأننا أردنا التأكد بشكل قطعي من موته، سواء أكان ذلك بالإصابة المباشرة، أم عبر النزيف المستمر، أم بالاختناق البطيء نتيجة نفاد الأكسجين إثر سد المنافذ”.
تدمير فوق الأرض.. واصطياد الجرافات بالمسيّرات
ولم تقتصر العملية -بحسب الكشف الإسرائيلي الجديد- على دك الهيكل السفلي، بل تعمدت الطائرات تدمير المباني السكنية الشاهقة الواقعة فوق الملجأ بالكامل لتشكل ركاماً عازلاً. وأكد الضابط أن جيش الاحتلال فرض طوقاً نارياً بالـمسيّرات فوق نقطة الصفر لمنع أي محاولات إغاثية؛ حيث تابع قائلاً: “بعد الضربة مباشرة، رصدنا دراجة نارية تصل إلى الموقع وحاول أشخاص الدخول عبر فتحة قريبة، فتم استهدافهم. لاحقاً، أحضر اللبنانيون جرافة ضخمة لرفع الأنقاض وإنقاذ العالقين فهاجمناها فوراً، ثم استدعوا جرافة ثانية فقمنا بتدميرها هي الأخرى، مما حال دون وصول الجرافة الثالثة وتوقف عمليات البحث تماماً”.
تأتي هذه الاعترافات لتسلط الضوء مجدداً على ضراوة المواجهات العسكرية التي تفجرت عام 2024 بين إسرائيل وحزب الله عقب إطلاق الأخير ما عُرف بـ”حرب إسناد غزة”، وهي المواجهات التي شنت خلالها تل أبيب حملات قصف جوي مدمرة غير مسبوقة مسحت أحياء برمتها في الضاحية الجنوبية، والبقاع، وعموم قرى الجنوب اللبناني.

