على الرغم من دخول اتفاق وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران حيّز التنفيذ، تحوّلت تلة علي الطاهر شرق النبطية الفوقا إلى مركز المواجهة الأبرز في جنوب لبنان، في معركة تبدو أكبر من مجرد اشتباك ميداني عابر، إذ تختصر صراعاً على الجغرافيا والرمزية العسكرية وقواعد الاشتباك التي ستسود المرحلة المقبلة.
الأهمية الاستراتيجية للموقع
ففي الساعات الماضية، شهد محيط التلة مواجهات عنيفة بين الجيش الإسرائيلي وعناصر “حزب الله”، ترافقت مع غارات جوية ومدفعية كثيفة استهدفت النبطية ومحيطها، وأسفرت عن سقوط عشرات الضحايا والجرحى اللبنانيين، فيما أعلن الجيش الإسرائيلي مقتل أربعة من جنوده وإصابة آخرين خلال المعارك.
ولا يمكن فهم شراسة القتال الدائر من دون التوقف عند الأهمية الاستراتيجية لتلة علي الطاهر. فالمرتفع الذي يقع شرق بلدة النبطية الفوقا يشرف على مدينة النبطية وقسم واسع من قضائها، كما يطل على محاور تمتد نحو مرجعيون وحاصبيا وشمال فلسطين المحتلة. وتمنح طبيعته الجغرافية المرتفعة من يسيطر عليه قدرة استثنائية على المراقبة والرصد وإدارة النيران، ما يجعله أحد أهم المواقع العسكرية في جنوب لبنان.
وتزداد أهمية التلة بسبب تضاريسها الوعرة وأحراجها الكثيفة التي تضم أشجار السنديان المعمرة، الأمر الذي يجعلها بيئة مثالية للتحصينات والأنفاق ومواقع الرصد العسكرية. ولهذا السبب لطالما اعتبرتها إسرائيل نقطة حساسة في أي مواجهة مع “حزب الله”، واستهدفتها بشكل متكرر خلال حرب عام 2024 عبر عشرات الغارات والأحزمة النارية في محاولة لتدمير البنية العسكرية الموجودة فيها.
الرمز التاريخي للمعركة
لكن أهمية علي الطاهر لا تقتصر على بعدها العسكري. فالتلة تحمل أيضاً رمزية تاريخية خاصة، إذ كانت من بين آخر المواقع التي انسحب منها الجيش الإسرائيلي عند اندحاره من جنوب لبنان في أيار عام 2000. ومنذ ذلك الحين أصبحت جزءاً من الذاكرة العسكرية والسياسية للصراع، بحيث ينظر إليها كثيرون باعتبارها رمزاً لتحرير الجنوب، فيما ترى إسرائيل أن استعادة السيطرة عليها، ولو بشكل محدود، تشكل إنجازاً معنوياً وعسكرياً في آن واحد.
ومن هنا يمكن تفسير الإصرار الإسرائيلي على التقدم نحو المرتفع رغم وقف إطلاق النار. فالتقديرات العسكرية تشير إلى أن تل أبيب تسعى إلى تثبيت سيطرتها على الموقع قبل الالتزام الكامل بأي ترتيبات ميدانية جديدة، باعتباره نقطة حاكمة تسمح بمراقبة المنطقة وفرض واقع أمني مختلف. في المقابل، يعتبر “حزب الله” أن خسارة التلة تعني فتح ثغرة خطيرة في منظومته الدفاعية جنوب الليطاني وتهديداً مباشراً لعمقه الاستراتيجي في النبطية ومحيطها.
لذلك لا تدور المعركة الحالية حول تلة معزولة، بل حول موقع يمكن أن يؤثر في ميزان القوى في جنوب لبنان كله. وبينما تستمر الاشتباكات والغارات، تبدو علي الطاهر اليوم أكثر من مجرد مرتفع جغرافي؛ إنها عقدة عسكرية وسياسية تختصر صراعاً مفتوحاً على مستقبل الجنوب، وعلى شكل المرحلة التي ستلي الحرب ووقف إطلاق النار.

