في اللحظة الإستراتيجية الحرجة التي تلتقي فيها المصالح الدولية الكبرى عند حافة التوقيع على الاتفاق الإطاري ومذكرة التفاهم بين واشنطن وطهران، تبرز إلى العلن لغة دبلوماسية فائقة البراغماتية، تعكس عمق الفجوة بين حسابات العواصم الإقليمية وحقائق الميدان المحترق.
لعل التصريح الأخير لرئيس البرلمان الإيراني وكبير المفاوضين محمد باقر قاليباف، والذي اعتبر فيه أن الاتفاق المبرم هو «ثمرة تضحيات المقاتلين اللبنانيين والدبلوماسية الإيرانية المقتدرة لصون سيادة لبنان»، يُمثّل الذروة في التوظيف السياسي المباشر، ويفجر في المقابل سيلاً من الأسئلة الوجودية المشروعة حول ثمن هذا التوظيف، ومن يدفع الفاتورة الحقيقية من لحمه الحي، وأرضه، ومستقبل أطفاله.
جدلية الميدان والطاولة.. توزيع غير عادل للأدوار
تضع هذه المعادلة الرسمية المعلنة من قِبل طهران الداخل اللبناني، والبيئة الحاضنة على وجه الخصوص، أمام حقيقة شديدة القسوة، حقيقة قوامها توزيع مجحف وغير عادل للأدوار والمصائر.
ففي الوقت الذي كُتب فيه على اللبنانيين أن يتصدروا خطوط النار، ويتلقوا حمم القصف، ويواجهوا أعتى آلات التدمير والتهجير، ومسح القرى الحدودية عن بكرة أبيها، وتوسيع الاحتلال لنفوذه العسكري، يكتفي الجانب الإقليمي بالجلوس وراء الطاولات المكيفة في الحواضر الأوروبية لممارسة “الدبلوماسية المقتدرة” وحصد ثمار التنازلات والحوافز الاقتصادية التي تُقدّر بمليارات الدولارات.
إنها معادلة مأساوية يتلخص مشهدها في التالي: على اللبنانيين الدم والنار، والتشريد، والركام، وتحمّل النكبة الإنسانية غير المسبوقة، وعلى العواصم الإقليمية التفاوض، وتسييل التضحيات في صفقات إستراتيجية تحسّن شروط تموضعها الدولي وتضمن رفع الحظر والقيود الاقتصادية عن كاهلها.
النكبة الشيعية المعاصرة.. هل يدرك المفاوض حجم المأساة؟
تتبدد لغة الأرقام والمصطلحات الدبلوماسية الجافة كـ “السيادة” و”وحدة الأراضي” أمام هول الكارثة الإنسانية والاجتماعية التي حلت بلبنان، و بالطائفة الشيعية تحديداً، التي تحولت بيئتها وقراها إلى مساحات شاسعة من الأرض المحروقة والممحوة من الوجود.
إن السؤال الأخلاقي والإنساني الذي يطرح نفسه بمرارة بداخل كل بيت مدمر ونازح هو: هل يعلم المسؤولون الإقليميون في غرف تفاوضهم حجم الكلفة الحقيقية؟ هل يدركون ما معنى أن تمحى ذكريات أجيال كاملة، وأن تُسوّى بيوت بناها أصحابها من عرق السنين بالأرض في غضون ثوانٍ؟
المأساة هنا لا تقاس بحسابات الربح والخسارة السياسية، بل بحجم الأرواح المزهوقة، ووجع الأمهات، والأجساد الممزقة، بل وبحرمان العائلات حتى من حق تشييع جثث ورفات أولادهم ودفنهم بكرامة في قراهم، حيث بات الحزن والوداع مشروطاً بمهلة 10 دقائق مرعبة تحت أزيز الطائرات المسيّرة للاحتلال.
إن إصرار المفاوض الخارجي على إدراج لبنان كبند رئيسي ضمن حزمة مكاسبه الدبلوماسية، يتجاهل عن عمد أن هذا البند كُتب بحبر من دماء نازفة ونكبة ديموغرافية واقتصادية سيمتد أثرها لعقود.
“وهم الانتصار” المزعوم وسط العبث الإسرائيلي
أمام هذه اللوحة القاتمة، يبدو أي حديث يصدر عن إيران أو حلفائها في المنطقة حول “الانتصار” بمثابة قراءة منفصلة تماماً عن الواقع، وخطاب تعبوي يدوس على جراح الناس وأرزاقهم المهدورة.
أي انتصار هذا الذي يتم إعلانه على أنقاض مجتمعات بأكملها هُجّرت قسراً واقتلعت من جذورها التاريخية؟
كيف يمكن تسويق “الإنجاز الدبلوماسي” في وقت لا تزال فيه آلة الحرب الإسرائيلية تعبث في الجنوب والبقاع والضاحية، وتواصل القتل والتهديم بلا هوادة وبلا أدنى رادع، مستغلةً الغطاء الدولي والتحولات الإقليمية؟
إن ادعاء الانتصار القائم على دماء المواطنين الأبرياء وتدمير قراهم وبنيتهم التحتية هو “انتصار واهم” وخطاب مأزوم يحاول الهروب إلى الأمام لتغطية العجز الميداني عن حماية الناس، وتحويل مأساتهم الإنسانية إلى مجرد أوراق ضغط تفاوضية لتحسين الشروط الجيوسياسية لطهران في صراعها مع واشنطن.
لبنان والورقة التفاوضية الدائمة.. متى تستعاد الإرادة الوطنية؟
تثبت هذه التطورات مجدداً أن لبنان، وبفعل غياب القرار الوطني الجامع وارتهان بعض القوى للمشاريع العابرة للحدود، قد جرى تحويله إلى ساحة بريد دائم لتوجيه الرسائل الإقليمية. إن ربط سيادة لبنان ووحدة أراضيه بمدى نجاح أو فشل “الدبلوماسية الإيرانية” يُعدّ طعناً في صلب الهوية الوطنية اللبنانية، وإقراراً علنياً بمصادرة الإرادة المستقلة للبلاد.
إن المصلحة اللبنانية العليا تقتضي بوضوح كسر هذه الحلقة المفرغة من الاستغلال، والوعي بأن حماية لبنان لا يمكن أن تأتي من خلال توظيف دماء شبابه كوقود لرفع العقوبات عن دول أخرى، بل عبر بناء دولة القانون والمؤسسات القادرة وحدها على اتخاذ قرار الحرب والسلم، وحماية مواطنيها، وصون كرامتهم، بعيداً عن صفقات المحاور والاتفاقيات الدولية التي تُبرم على حساب أشلاء الضحايا وركام المدن.
آفاق المستقبل المثقل بالمرارة
في الختام، يخرج لبنان من هذه الجولة الدبلوماسية والميدانية مثخناً بالجراح، مثقلاً بمرارة الخذلان، ومحاصراً بنكبة إنسانية واقتصادية واجتماعية تفوق قدرته على الاحتمال. إن الصرخة التي تطلقها البيئة النازحة والمدمرة اليوم لم تعد مجرد عتب سياسي، بل هي وعي جديد وصحوة قاسية تفكك الخطابات الخشبية، لتؤكد بوضوح أن السيادة الحقيقية لا تصنعها خطابات كبار المفاوضين في العواصم البعيدة، بل تصان بحفظ كرامة الإنسان على أرضه، وحمايته من التدمير والعبث، وإنهاء الحقبة التي يكون فيها اللبناني هو الضحية الدائمة على مذبح المصالح الدولية.

