يتابع الدكتور عبد الحسين شعبان في كتابه هسهسات الضوء في أنطولوجيا الثقافة العراقيّة (دار النهار – 2025) عمليّة تحويل الذاكرة الحيّة إلى مشهديّات كتابيّة توثيقيّة تمزج بين التجربة الشخصيّة وتفكيك الشخصيّات المتحدَّث عنها، فضلًا عن سعيه إلى إيصال المشهد العراقي في جوانبه المختلفة بلغة سلسة تجعل القارئ يشعر، ولو للحظة، أنّه شريك في صناعة المشهد وصورته.
شخصيّات الثقافة العراقيّة في مرآة البورتريه
يتألّف الكتاب من مقدّمة و608 صفحات، خُصّص كلّ فصل فيها لشخصيّة أدبيّة أو إعلاميّة أو فنيّة أو سياسيّة. وقد عالج شعبان هذه الشخصيّات من خلال هويّتها الإبداعيّة وموهبتها وقراءاتها وتصوّراتها الفكريّة. واللافت أنّه أدخل تجربته الذاتيّة ورؤيته الخاصّة إلى المادة التي يكتب عنها، من دون أن يطغى حضوره على الشخصيّة نفسها.
فمن أحمد صافي النجفي مرورًا بـبدر شاكر السيّاب وصولًا إلى كوكب حمزة، نجح شعبان في كتابة بورتريه خاص لكلّ شخصيّة، متجنّبًا الوقوع في متاهات الإطناب أو الاسترسال اللغوي. ومن خلال سياقات حكائيّة متعدّدة، منح النص طابعًا تواصليًّا رشيقًا يوفّر للقارئ متعة القراءة وفائدتها، وهي الخصيصة التي تتوسّلها عادة الكتابة الأنطولوجيّة والأدب التوثيقي.
لغة متماسكة تتجاوز النخبويّة
في المقابل، تبدو لغة عبد الحسين شعبان ثابتة رغم تنوّع كتاباته وغزارتها، إذ حافظ على أسلوب متماسك يطال القرّاء على اختلاف مستوياتهم الثقافيّة وخلفيّاتهم المعرفيّة والاجتماعيّة. ويؤكّد الباحث، من خلال هذا العمل، أنّ الثقافة العراقيّة التي انشغل بها لعقود طويلة تبقى قابلة لإعادة القراءة والتنقية والتحرير بصورة مستدامة، بفعل تعدّد القراءات الدلاليّة والسياسيّة والثقافيّة التي تتكاثر مع تعاقب الأجيال.
ومن هنا، تبرز وظيفة اللغة المعياريّة المتحرّرة من الفذلكة، تلك اللغة التي تتّجه بصورة غير مباشرة نحو الإقناع والتقصّي، وتمنح القارئ فرصة التعرّف إلى ثقافات أخرى، أو إعادة اكتشاف ثقافته الخاصّة.
الثقافة بوصفها رسالة نقديّة
لم يتعامل شعبان مع التجارب التي تناولها بمنطق الأحكام الذاتيّة، بل حافظ على دوره كمحرّر ومفكّر يرى في الثقافة رسالة عليا تقوم على نشر المعرفة ومنح القارئ دورًا نقديًّا واستكشافيًّا في آن.
وقد تمكّن، بعد مسار معرفي وأنطولوجي طويل، من الإبقاء على صلته بالقارئ عبر ثقافة يتجدّد مفهومها بصورة دوريّة، تاركًا سؤالًا إشكاليًّا مفتوحًا: هل تقتصر الأنطولوجيا على هويّة فنّيّة واحدة، أم أنّها تتجاوز ذلك نحو أبعاد إنسانيّة وهويّاتيّة متعدّدة؟

