في المشهد العراقي، لا تُقاس المواقف السياسية بحجم الكلمات فقط، بل بتوقيت إطلاقها والرسائل الكامنة خلفها. ومن هذا المنطلق، فإن المهلة التي منحها زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر للحكومة العراقية الجديدة، والمحددة بتسعين يوماً، لا يمكن قراءتها كموقف اعتراضي عابر، بل كخطوة سياسية مدروسة ضمن استراتيجية أوسع لإعادة تعريف العلاقة بين الدولة والشارع والقوى السياسية النافذة.
فشل الاصلاح وطغيان المحاصصة
منذ عام 2003، اعتاد العراقيون على حكومات تبدأ بشعارات الإصلاح وتنتهي تحت ضغط المحاصصة والتوافقات السياسية، فيما يبقى المواطن عالقاً بين تدهور الخدمات والبطالة والفساد والصراعات الإقليمية. وفي خضم هذا الواقع، حافظ الصدر على موقع خاص في المعادلة العراقية، إذ نجح في الجمع بين الحضور الشعبي الواسع والخطاب الاحتجاجي، مع احتفاظه في الوقت نفسه بقدرة التأثير داخل السلطة ومؤسسات الدولة.
مهلة التسعين يوماً تحمل رسائل متعددة الاتجاهات. فهي موجهة إلى الحكومة الجديدة لاختبار قدرتها على اتخاذ قرارات فعلية، كما أنها رسالة إلى القوى السياسية الحاكمة، ولا سيما قوى “الإطار التنسيقي”، بأن الشارع قد لا يمنحها وقتاً مفتوحاً للمراوحة والمماطلة. كذلك تعكس المهلة محاولة لإبقاء الجمهور الصدري في حالة ترقب واستنفار سياسي دائم.
اختيار مدة التسعين يوماً لم يكن اعتباطياً. فهي مدة كافية نسبياً للحكم على النوايا الحكومية، لكنها قصيرة بما يكفي لمنع السلطة من استخدام عامل الوقت لإطفاء الضغوط الشعبية. وهنا يراهن الصدر على وضع الحكومة تحت مجهر الرأي العام يومياً، بحيث تتحول المهلة إلى اختبار مستمر للقدرة على الإنجاز.
خطاب احتجاجي رغم المشاركة
في الوقت نفسه، تعكس الخطوة طبيعة التموضع السياسي المعقد للتيار الصدري، الذي لم يكن يوماً معارضة تقليدية بالكامل، ولا جزءاً سلطوياً كاملاً. فالتيار شارك في الحكومات والبرلمان، لكنه احتفظ دائماً بخطاب احتجاجي يحمّل الآخرين مسؤولية الإخفاقات. وهذا ما منح الصدر قدرة استثنائية على الانتقال بين الشارع والسلطة بحسب تبدل الظروف السياسية.
الرسائل الضمنية للمهلة لا تقتصر على الملف الخدمي، بل تمتد إلى قضايا أكثر حساسية، أبرزها ملف الفساد. فالصدر يدرك أن الفساد يمثل العقدة الأساسية في النظام السياسي العراقي، وأن أي حديث عن الإصلاح من دون فتح ملفات الفساد الكبرى سيبدو مجرد شعارات إعلامية. لكن مواجهة الفساد تعني عملياً الصدام مع شبكات نفوذ سياسية واقتصادية متغلغلة في مؤسسات الدولة، ما يجعل المهلة اختباراً لمدى استعداد الحكومة لمواجهة مراكز القوة الحقيقية.
إلى جانب الفساد، يبرز ملف حصر السلاح وهيبة الدولة. فالعراق ما زال يعيش حالة ازدواجية بين المؤسسات الرسمية والتشكيلات المسلحة المرتبطة بقوى سياسية مختلفة. ومن هنا يحاول الصدر إعادة تقديم نفسه بوصفه داعماً لفكرة الدولة القوية القادرة على احتكار القرار الأمني، رغم تاريخه الطويل مع العمل المقاوم والتنظيمات المسلحة.
صراع نفوذ اميركي ايراني
كما تحمل المهلة بعداً إقليمياً واضحاً، إذ يعيش العراق وسط شبكة معقدة من النفوذ الإيراني والأميركي والتركي والعربي. لذلك فإن دعوة الصدر الضمنية إلى حماية القرار العراقي من التدخلات الخارجية تشكل جزءاً من خطابه الوطني الذي يسعى إلى استثماره سياسياً وشعبياً.
وتذهب بعض القراءات إلى اعتبار مهلة التسعين يوماً تمهيداً لعودة سياسية كبرى للصدر. فبعد انسحابه من العملية السياسية، بدا وكأنه اختار الابتعاد التكتيكي، لكنه لم يغادر المشهد فعلياً. واليوم، مع تصاعد الأزمات الاقتصادية والخدمية وتراجع الثقة بالأحزاب التقليدية، يبدو أن الصدر يراقب المشهد بدقة بانتظار اللحظة المناسبة للعودة بقوة، لا باعتباره جزءاً من الأزمة، بل باعتباره صاحب “الإنذار المبكر”.
في المقابل، تواجه الحكومة العراقية معضلة شديدة التعقيد. فهي مطالبة بتحقيق إنجازات سريعة في ظل بنية سياسية متشابكة ومراكز نفوذ متعددة. وإذا نجحت في تحقيق خطوات ملموسة خلال المهلة المحددة، فقد تكسب زخماً شعبياً وسياسياً، أما إذا فشلت، فإنها قد تدخل مبكراً في أزمة شرعية وثقة، خصوصاً أن الأزمات العراقية غالباً ما تتحول سريعاً من أزمات سياسية إلى توترات اجتماعية وأمنية.
دعم مشروط للزيدي
وفي هذا السياق، اكتسب الاتصال الهاتفي الذي أجراه الصدر مع رئيس الوزراء علي فالح الزيدي أهمية خاصة، بعدما بارك له تشكيل الحكومة وحثه على الحفاظ على سيادة العراق ومحاربة الفساد وتحسين الواقع الخدمي. فالرسالة بدت مزدوجة: دعم مشروط للحكومة، وفي الوقت نفسه تحميلها مسؤولية النجاح أو الفشل خلال المهلة المحددة.
في النهاية، تبدو مهلة التسعين يوماً أكثر من مجرد رقم سياسي. إنها لحظة اختبار للنظام السياسي العراقي بأكمله، ولقدرة الدولة على الانتقال من إدارة الأزمات إلى بناء المؤسسات. ويبقى السؤال الأهم: هل تنجح الحكومة في استثمار هذه الفرصة، أم أن العراق مقبل على جولة جديدة من التوتر وإعادة الاصطفاف السياسي؟

