الإيرانيون يغرقون في خيبة الأمل واليأس بعد أشهر من الحرب

Iran General War Photo Tehran (NYTimes)

تسبب انهيار الاقتصاد في نشر اليأس بين الإيرانيين المؤيدين للحكومة والمعارضين لها على حد سواء. أما الذين تمنّوا تغيير النظام، فخيبة الأمل لديهم ملموسة بوضوح.

عندما هاجمت إسرائيل والولايات المتحدة إيران في أواخر شباط/فبراير، علّق بعض المعارضين الإيرانيين للجمهورية الإسلامية آمالًا على أن يؤدي ذلك إلى إنهاء عقود من الحكم الديني الذي رأوه قمعيًا.

صراع من أجل البقاء

لكن الآن، وبعد ضربات مدمّرة، وفي ظل وقف إطلاق نار مترنّح، تلاشت تلك الآمال. وحلّت محلها مشاعر الخيبة واليأس، مدفوعة بحصيلة قتلى مُعلنة بلغت 1700 مدني، ودمار واسع، وانهيار اقتصادي جعل الحياة اليومية صراعًا من أجل البقاء.

وفّر وقف إطلاق النار بعض الراحة من القصف، لكنه بدا يوم الأحد أكثر هشاشة، بعدما أطلقت إيران وابلًا جديدًا من الصواريخ الباليستية باتجاه إسرائيل. وقد أشار مسؤولون إيرانيون إلى الهجمات الإسرائيلية في لبنان، لكن الضربات أعادت شبح الرد الإسرائيلي على إيران.

وبعيدًا عن المناوشات العسكرية، تسببت حرب اقتصادية في ارتفاع جنوني لأسعار السلع الأساسية. فقد أدى شلّ صناعات حيوية، والإغلاق الفعلي لمضيق هرمز، وهو طريق تجاري رئيسي لأثمن صادرات إيران، النفط، إلى دفع الاقتصاد المتعثر أصلًا نحو انهيار حر.

وتركت محادثات السلام المتقطعة، بين انعقاد وتعثر، إلى جانب إعلانات أميركية بأن الحرب انتهت بينما هي لم تنتهِ فعليًا، مؤيدي الحكومة ومعارضيها في حالة ارتباك وقلق، وفق مقابلات أُجريت عبر تطبيقات صوتية مع أكثر من 20 إيرانيًا في طهران وأصفهان والأهواز ومشهد، خلال الأيام التي سبقت ضربات الأحد.

وقالت كيميا، وهي مصممة تبلغ 25 عامًا، في مقابلة من طهران: «أنا غاضبة. أشعر بالوحدة. نحن لا نعني شيئًا للعالم إطلاقًا، يُنظر إلينا فقط كأدوات للحرب والتفاوض، بينما نحن بشر».

خطة محمود أحمدي نجاد

وبالنسبة إلى بعض الذين كانوا يتوقون إلى تغيير النظام، كان اكتشاف أن إسرائيل والولايات المتحدة خططتا في البداية لتنصيب الرئيس المتشدد السابق محمود أحمدي نجاد حاكمًا جديدًا للبلاد إهانة مؤلمة. وفي مقابلات ومنشورات على وسائل التواصل، قال عدد منهم إن كشف صحيفة «نيويورك تايمز» لهذه الخطة جعلهم يشعرون وكأنهم مجرد متفرجين في لعبة جيوسياسية تؤثر مباشرة في حياتهم.

قُتل آية الله علي خامنئي، المرشد الأعلى للبلاد منذ فترة طويلة، في ضربات اليوم الأول من الحرب في شباط/فبراير، وحلّ مكانه منذ ذلك الحين نجله.

وقال أمير علي، وهو مهندس يبلغ 62 عامًا من طهران، في مقابلة: «لأجل ماذا كان كل هذا؟ قصفوا بلادنا ودمّروها، مطاراتنا وطرقنا ومصانعنا، باسم تغيير النظام، كي يأتوا بأحمدي نجاد؟ هذا يُظهر أن الهدف لم يكن يومًا جعل إيران أفضل أو حرّة».

ومثل جميع الإيرانيين الذين أُجريت معهم مقابلات، طلبت كيميا وأمير علي التعريف بهما باسميهما الأولين فقط، خشية أي انتقام محتمل.

كانت سنة مضطربة للإيرانيين. فقد ضربت الولايات المتحدة وإسرائيل إيران أولًا في حزيران/يونيو 2025 في حرب قصيرة، ثم هاجمتاها مجددًا بدءًا من أواخر شباط/فبراير، مستهدفتين مصانع ومطارات وموانئ وجسورًا وجامعات وأحياء سكنية مكتظة. وقال الرئيس ترامب إن هذه الحرب الأخيرة كانت تهدف إلى تهيئة الظروف لإزاحة النظام، وضمان ألا تتمكن إيران أبدًا من امتلاك سلاح نووي.

وتبدو المفاوضات الرامية إلى إنهاء النزاع متوقفة، مع بقاء مضيق هرمز أحد أبرز نقاط الخلاف.

قطعت إيران خدمة الإنترنت عن عامة الناس منذ بداية الحرب وحتى أواخر أيار/مايو، قائلة إن ذلك كان لأسباب تتعلق بالأمن القومي. والآن، مع عودة مزيد من الناس إلى وسائل التواصل الاجتماعي، بات كثيرون منهم قادرين على التواصل مع العالم ومع بعضهم بعضًا. وترسم رسائلهم صورة قاتمة.

التخلي عن فكرة التغيير

قال أستاذ جامعي متقاعد في طهران، وهو منتقد للحكومة، في مقابلة إن الناس تخلّوا ببساطة عن فكرة التغيير السياسي، وأصبحوا يركّزون على البقاء يومًا بيوم. وقال مدير مصنع للعبوات البلاستيكية قرب مشهد إن الإنتاج توقف، وإن جميع الموظفين مُنحوا إجازات قسرية بسبب نقص المواد الخام، بعد الغارات الجوية الإسرائيلية على الصناعة البتروكيميائية الإيرانية. وقال طبيب في أصفهان إن الصيدليات تقنّن توزيع الأدوية، وإن وزارة الصحة نصحت الأطباء بعدم وصف إلا الأدوية الضرورية بسبب النقص.

وقال أمين أفشار، رئيس جمعية الهيموفيليا في إيران، مؤخرًا لوسائل إعلام إيرانية إن البلاد لا تملك أي احتياطي من الدواء الذي يحتاجه المصابون باضطراب النزف، وإن استيراد الأدوية أصبح أمرًا بالغ الصعوبة.

وتفيض وسائل التواصل الاجتماعي في إيران بالمآسي. ومن بين القصص التي انتشرت على نطاق واسع قصة حامد ميرزائي، الذي كتب أنه فقد 12 فردًا من عائلته في غارة جوية إسرائيلية في آذار/مارس على ساحة رسالت، وهي منطقة سكنية مكتظة في طهران. وكتب ميرزائي أنه الناجي الوحيد من الهجوم الذي قتل زوجته التي لم يمضِ على زواجه بها سوى عام واحد، ووالديه، وجدّيه، وعمّه، وأبناء عمومته، وأقارب آخرين، وفق منشوراته على إنستغرام وتقارير إعلامية إيرانية.

وكتب ميرزائي في منشور شارك فيه صور زفافه: «حتى آخر يوم في حياتي، لن أدع أسماءكم تُنسى. سأتحدث عن كل واحد منكم. لن أدعكم تموتون عبثًا».

يقول كثير من الإيرانيين، حتى من عارضوا النظام الديني، إنهم يعارضون الحرب وقد عانوا بما يكفي. وهم ينظرون بشكل متزايد إلى المفاوضات الدبلوماسية باعتبارها وسيلة لتحقيق الاستقرار في البلاد والاقتصاد.

تأييد للمفاوضات

قالت ليدا، وهي خبيرة بيئية تبلغ 44 عامًا من طهران وكانت معارضة للحكومة: «أنا بالتأكيد أؤيد المفاوضات الآن في ظل هذه الظروف. لقد خسرنا أرواحًا كثيرة، وخسرنا كثيرًا من بنيتنا التحتية. خسرنا كثيرًا من الموارد البشرية، وبصراحة لا أعتقد أن الحرب في مصلحتنا».

ويقول محللون إن الضربات الجوية الواسعة دفعت كثيرًا من الإيرانيين الذين دعموا الحرب في البداية إلى تغيير رأيهم.

قالت إيلي غيرانمايه، الزميلة البارزة في المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية: «هذه لحظة يقوم فيها الإيرانيون بجرد الواقع وحساب ما نجح وما لم ينجح. قبول صمود النظام رغم كل آمالك لحظة شديدة المرارة على معارضي النظام استيعابها. ويمكن القول إنها تركت النظام أقوى مما كان عليه».

وزادت تصريحات ترامب المتناقضة بشأن إيران من الارتباك والغضب، بحسب محللين وعدد من الأشخاص الذين أُجريت معهم مقابلات. فقد قال في البداية إن المساعدة في طريقها إلى المتظاهرين الإيرانيين، ثم هدد بإبادة الحضارة الإيرانية القديمة. ويوم الخميس، وفي تصريحات لوسائل الإعلام، قال ترامب إنه سيكون «مشرّفًا» بلقاء المرشد الأعلى الجديد لإيران، آية الله مجتبى خامنئي، إذا تم التوصل إلى اتفاق مع طهران.

تحول ذلك التصريح فورًا إلى عنوان إخباري في إيران، وانهالت التعليقات والنكات على وسائل التواصل الاجتماعي، أشار بعضها إلى أن آية الله لم يظهر علنًا منذ بدء الحرب. وكتب أحمد مصدق على وسائل التواصل: «حسنًا، 90 مليون شخص في إيران يريدون رؤيته أيضًا، لكن من المؤسف أنهم لا يملكون هذا الحظ. والآن تصل متأخرًا وتريد تجاوز الطابور؟».

تململ بين أنصار النظام

لكن مع استمرار الحرب، بدأ بعض مؤيدي الحكومة أيضًا يفقدون صبرهم تجاه قادتهم.

قال مهدي، وهو موظف حكومي يبلغ 52 عامًا، في مقابلة، إنه كان يشارك في مسيرات مؤيدة للحكومة مع زوجته وأطفاله. لكنه قال إن راتبه ينفد بحلول منتصف الشهر، وإنه لا يستطيع شراء لحم البقر أو الدجاج لإطعام عائلته.

وأضاف مهدي: «اشتريت بعض الحاجيات بالدين من متجر في حيّنا. قال لي صاحبه: ادفع عندما تقبض راتبك». وعندما عاد ليدفع، قال: «كانت الفاتورة قد تضاعفت لأن أسعار كل شيء ارتفعت. الجميع غاضب بسبب الاقتصاد، وإذا لم تصلح الحكومة الأمور، فستحدث مشكلات».

وقال حامد، وهو محافظ مؤيد للحكومة، في مقابلة: «ارتفاع الأسعار لا يفرّق بين مؤيدي الحكومة ومعارضيها، إنه يؤثر علينا جميعًا».

وأعلن مركز الإحصاءات الرسمي في إيران الأسبوع الماضي أن التضخم ارتفع بشدة مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي. وقال التقرير إن سعر زيت الطهي ارتفع بنسبة 430%، والبيض بنسبة 345%، والأرز بنسبة 287%، والحليب بنسبة 139%.

من جهتها، قالت سانام وكيل، مديرة برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في «تشاتام هاوس»، إن الإيرانيين الذين تواصلت معهم داخل البلاد ظلوا يسألونها عمّا سيحدث لهم. وأضافت: «لا أحد يفكر فيهم أو يأخذ آراءهم في الاعتبار. هم مجرد ضحية في صراع يتجاوز قدرتهم على التأثير أو الفهم».

السابق
صاعقة.. ريال مدريد يطالب يويفا بتجريد برشلونة من ألقابه الأوروبية