التصريحات النارية وغير المسبوقة لكل من رئيس الجمهورية جوزف عون ورئيس الحكومة نواف سلام الأخيرة بخصوص السلوك الإيراني العبثي بحق لبنان، واللغة الصارمة تجاه حزب الله المنهمك بإثبات وجود صوري في الحرب الطاحنة، بتسجيل نقاط بالمفرق مقابل تمدد مريح وواثق لإسرائيل في الجنوب اللبناني، هذه التصريحات ليست مجرد تغير في النغمة أو تصعيد كلامي أو حتى اعتماد سياسة جديدة، بقدر ما تعبر عن تحول نوعي في مقاربة لبنان الكيان والدولة لقضية مؤجلة لعقود، هي مشكلة حزب الله وسلاحه، التي كان يتم التعامل معها بصفتها مشكلة داخلية وجزئية وتفصيلية، مثل باقي المشكلات العالقة كالكهرباء والبطالة وغلاء المعيشة، ويمكن معالجتها بإجراءات وترتيبات شكلية.
من مشكلة السلاح إلى مشكلة المشروع
هو تحول يشي بأن لبنان دخل منعرجًا جديدًا يدشن لا خطابًا جديدًا فحسب، وإنما مسارًا جديدًا بقواعد لعبة تمهد لموازين قوى داخلية مقوضة لمرتكزات رافعة العمل السياسي الراهن ونمط القرار الرسمي منذ عقود. فلا تعود المشكلة مع حزب الله مقتصرة على سلاحه فقط، وإنما على وجوده كتنظيم ومشروع ومنظومة قيم، بعد تآكل قدراته العسكرية وانكشاف ظهره السياسي واشتداد الخناق عليه شعبيًا ورسميًا ودوليًا.
المفاوضات المباشرة وتغيير قواعد اللعبة
التحول في الموقف الرسمي اللبناني جاء ترجمة لسياق جديد دشنته المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل برعاية أمريكية. هي مفاوضات تختلف عن سابقاتها بكونها لا تقتصر على فض اشتباك أو ترسيخ قواعد مواجهة منضبطة ومستحكم بها بين لبنان وإسرائيل مع إبقاء حال العداوة وقابلية الجبهة للاشتعال، بل تجنح باتجاه إنهاء حال العداوة بين الطرفين على قاعدة مستدامة وثابتة. ما يعني خروج عقدة “إسرائيل” من دائرة التعبئة والاصطفاف والتضامن في الداخل اللبناني، والانصراف إلى الأولوية المطلقة للمسائل والأزمات الداخلية العالقة.
هذا التحول لا يضع سلاح حزب الله على المحك، بل يحاصر وجوده الذي تشكل إسرائيل “العدو والغاصب والمحتل” ضرورة له ولبقائه، ومصدرًا لشرعيته التي لم يعنِ للحزب يومًا، أو يهمه، أن تستجيب أو تتوافق مع خصوصية لبنان الداخلية وشروط إجماعه الوطني.
نحو إخراج حزب الله من المشهد السياسي
هذا يشي بأن الأمور ذاهبة باتجاه إخراج حزب الله من المشهد السياسي بالكامل، إما بتنفيذ سياسات صارمة تحاصره، أو تحوله إلى مكون هامشي لا فاعلية له بعد فقدانه عنصر قوته الأساسي، وهو سلاحه، الذي سيصبح غير ذي صلة وفاقدًا ضرورته أو الحاجة إليه مع ترتيبات السلام القادمة بزخم دولي بين إسرائيل ولبنان.
التحول في الموقف الرسمي اللبناني جاء ترجمة لسياق جديد دشنته المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل برعاية أمريكية.
تداعيات هذا المسار هي خروج إيران من المشهد اللبناني بالكامل، بالتالي من المنطقة المتاخمة لشمال إسرائيل. فلم تعد هنالك حاجة للضغط على إيران للتخلي عن أذرعها، بل يصير مطلبًا غير ذي صلة بعد ترسيخ ترتيبات جديدة في الداخل اللبناني تقوض كل فرص بقاء السلاح وجدواه، وتحاصر كل أنماط التوغل الإيراني غير المشروع.
المعركة الحقيقية: لبنان الرسمي في مواجهة إيران
هنا تتجلى حقيقة المعركة المصيرية للدولة في لبنان، التي لم تعد هذه المرة بين الدولة وحزب الله الذي يكاد يكون، في خضم الأحداث الكبرى، تفصيلًا جزئيًا داخل لعبة صراع إقليمية ودولية تتجاوزه وتبتلعه، ويصارع هذه المرة بيأس للبقاء لا للهيمنة، وانتزاع الاعتراف به لا للتحكم، وتلمس حيز وجود معتبر له داخل ترتيبات إقليمية ومحلية تعيد إنتاج المنطقة بالكامل.
هي معركة مباشرة وحتمية بين لبنان الرسمي وإيران الرسمية، من دون وكلاء أو وساطة أو أقنعة شعارات أو تمويهات أيديولوجية أو غوغاء مفتعل، يكاد حزب الله هذه المرة أن يكون فيها تفصيلًا ثانويًا. هي معركة بدأت حين قرر لبنان الرسمي انتزاع زمام المبادرة بالانقلاب الكامل على السياق الداخلي السابق الذي تمسك إيران، عبر حزب الله، مفاصله بخيوط ناعمة، وانتهاج مسار جديد تجف فيه منابع نفوذ النظام الإيراني وتُرحَّل رجالاته المتغلغلة في العمق اللبناني، وتُرد بضاعته الثورية بأدبياتها الرديئة إليه.
النظام الإيراني يعمد جاهدًا إلى اعتبار جبهة لبنان جزءًا عضويًا من الحرب القائمة بينه وبين الولايات المتحدة، لغرض إدراج الاعتراف بدوره
صراع الإرادات والصفقة الكبرى
هي معركة لن ينسحب منها النظام الإيراني بسهولة، ولن يكسبها لبنان أيضًا من دون أثمان مكلفة، فكل طرف يحشد كامل إمكاناته وقدراته لكسبها. لبنان يجد في المفاوضات المباشرة مخرجًا وحيدًا للتحرر من القبضة الإيرانية بالكامل، باستدعاء رعاية أمريكية مباشرة وزخم عربي لأي ترتيب قادم، بعدما فشلت محاولات لبنان الرسمي في إنجاز مهمة نزع سلاح حزب الله بقدراته الذاتية.
هذا التحول لا يضع سلاح حزب الله على المحك، بل يحاصر وجوده الذي تشكل إسرائيل “العدو والغاصب والمحتل” ضرورة له ولبقائه، ومصدرًا لشرعيته
أما النظام الإيراني، فيعمد جاهدًا إلى اعتبار جبهة لبنان جزءًا عضويًا من الحرب القائمة بينه وبين الولايات المتحدة، لغرض إدراج الاعتراف بدوره ووضعه الممأسس في لبنان منذ عقود جزءًا من الصفقة الكبرى المتوقعة بينه وبين الرئاسة الأمريكية.
الرسائل الكامنة خلف الصليات الصاروخية
هذا يفسر وظيفة الصليات الصاروخية الأخيرة التي أطلقتها إيران على إسرائيل، التي لم يكن غرضها إحداث تغيير في معادلة القوة على الجبهة اللبنانية بين إسرائيل وحزب الله، أو كسر قواعد الاشتباك الحالية بين الطرفين، أو حتى لدوافع أخلاقية بالدفاع عن الضاحية والانتقام لها، بقدر ما هي رسالة سياسية متشعبة الأطراف:
رسالة إلى إسرائيل بأن حربك في لبنان هي معي منذ البداية، وإنهاء هذه الحرب يمر عبري لا عبر الدولة اللبنانية.
ورسالة إلى الولايات المتحدة بأنه لا أقل من أن يكون لبنان قابلًا للشراكة وتقاسم النفوذ والمنافع بيننا.
والأهم من ذلك رسالة إلى اللبنانيين والدولة اللبنانية، بأنني قضاؤكم وقدركم المحتومان، ولبنانكم مجرد ساحة مفتوحة وامتداد حيوي لمهمة إلهية فُوِّض إليَّ أمر تحقيقها. فأنا فوق أن تعترفوا بي، ولا أحتاج إلى مداخل قانونية وشرعية لأسوغ حضوري وأنشطتي في لبنان أو أضمن بقائي فيه أو أستأذن منكم إشغال جبهته الجنوبية.
رسالة لا تقل خطورتها عن أن تكون معركة وجودية للبنان واللبنانيين.

