الحبوب الأوكرانية المسروقة: تجارة حرب تعبر الموانئ وتختبر القانون الدولي

في العام الرابع من الحرب الروسية–الأوكرانية، لم تعد تداعيات النزاع محصورة في جبهات القتال، بل تجاوزتها لتطال الأمن الغذائي العالمي. تتهم كييف موسكو بالاستيلاء على المنتجات الزراعية من الأراضي الأوكرانية المحتلة وتصديرها إلى الأسواق الدولية عبر شبكة من السفن والوسطاء والمسارات البحرية.

وبحسب السلطات الأوكرانية، قامت روسيا خلال عام 2025 بنقل أكثر من مليوني طن من الحبوب من الأراضي المحتلة. كما تشير نتائج الرصد إلى أنه بين يناير/كانون الثاني وأبريل/نيسان 2025، نفذت 25 سفينة نحو 50 رحلة، نقلت خلالها أكثر من 850 ألف طن من الحبوب من موانئ مغلقة في المناطق المحتلة. وتتهم كييف موسكو بإخفاء مصدر هذه الشحنات عبر عمليات نقل من سفينة إلى أخرى في مياه البحر الأسود.

اختبار للقانون الدولي ونظام العقوبات

وترى أوكرانيا أن هذه القضية تتجاوز كونها نزاعاً تجارياً، لتصبح اختباراً لقدرة المجتمع الدولي على فرض احترام القانون الدولي ونظام العقوبات في ظروف الحرب. فكل شحنة حبوب تصل إلى الأسواق العالمية تثير تساؤلات حول مصدرها الحقيقي والجهات التي تستفيد من بيعها.

مصر في دائرة الجدل

وفي هذا السياق، تُعد مصر إحدى أكثر الوجهات إثارة للجدل. إذ أعلنت أوكرانيا أن السفينة «ASOMATOS» قامت بتفريغ نحو 26.9 ألف طن من القمح الذي تعتبره كييف مُهرّباً من الأراضي المحتلة، في ميناء أبو قير، رغم التحذيرات والاتصالات الرسمية التي وجهتها أوكرانيا إلى السلطات المصرية.

ووفقاً للرواية الأوكرانية، فإن هذه الحادثة هي الرابعة منذ أبريل/نيسان 2025 التي تصل فيها شحنات مماثلة إلى الأسواق العالمية عبر الموانئ المصرية.

سوريا ومسارات التصدير البديلة

كما توجه كييف اتهامات مماثلة إلى سوريا، معتبرة أن الموانئ السورية أحد مسارات تصريف الحبوب القادمة من الأراضي الأوكرانية المحتلة.

ووفق الرواية الأوكرانية، وصلت السفينة «ميخائيل نناشيف» إلى ميناء طرطوس وقامت بتفريغ عشرات آلاف الأطنان من القمح الذي نُقل من مناطق زاباروجيا وخيرسون، إضافة إلى شبه جزيرة القرم، رغم التحذيرات الدبلوماسية التي أرسلتها أوكرانيا إلى السلطات السورية.

الحرب على الموارد الزراعية

وترى كييف أن السيطرة على الموارد الزراعية ومسارات التصدير أصبحت جزءاً من الحرب المستمرة، وأن العائدات الناتجة عن هذه التجارة تساعد في دعم الاقتصاد الروسي في ظل العقوبات.

وبالنسبة لسوريا، فإن القضية تحمل أبعاداً إضافية. فالحكومة السورية الجديدة، التي تسعى إلى تحسين علاقاتها الدولية والخروج التدريجي من العزلة، تواجه خياراً صعباً بين تأمين المواد الأساسية للسكان في ظل الأزمة الاقتصادية، وبين التداعيات السياسية والأخلاقية لمثل هذه الصفقات.

النفوذ الروسي عبر الاقتصاد والموانئ

ولا يمكن فصل هذه التطورات عن السياق الجيوسياسي الأوسع. فروسيا، التي تراجع نفوذها في سوريا جزئياً بعد التحولات السياسية الأخيرة، تسعى إلى الحفاظ على حضورها عبر أدوات اقتصادية وتجارية، بما في ذلك الخطوط البحرية والعقود الاقتصادية واستثمار حاجة دمشق إلى الغذاء والدعم اللوجستي.

وبذلك، لا تعمل سفن الحبوب كناقلات تجارية فقط، بل كأداة نفوذ سياسي أيضاً، إذ يتجاوز دورها القيمة الاقتصادية المباشرة ليعكس سعي موسكو إلى تثبيت حضورها في المنطقة.

الهولودومور… ذاكرة تاريخية حاضرة

وتزداد حساسية هذا الملف لدى الأوكرانيين بسبب الذاكرة التاريخية لمجاعة الهولودومور بين عامي 1932 و1933، عندما أدت سياسات السلطات السوفييتية في مصادرة المحاصيل الزراعية إلى وفاة ملايين الأشخاص.

لذلك تعتبر كييف ملف الحبوب ليس مجرد نزاع تجاري، بل قضية ذات بعد تاريخي ووطني.

عقوبات جديدة… وسؤال مفتوح

وفي مواجهة ذلك، تعمل أوكرانيا على إعداد حزم جديدة من العقوبات تستهدف شركات النقل والتأمين والوسطاء وأصحاب السفن المتورطين في تجارة الحبوب القادمة من الأراضي المحتلة.

لكن يبقى السؤال مفتوحاً حول قدرة المجتمع الدولي على ضبط حركة السلع القادمة من مناطق النزاع.

جبهة حرب تتجاوز المعركة التقليدية

ومع تزايد العقوبات والإدانات السياسية، تستمر السفن في الإبحار وتستمر الشحنات في الوصول إلى الأسواق العالمية.

لذلك يبقى ملف الحبوب أحد أكثر جبهات الحرب الروسية–الأوكرانية تعقيداً، حيث تتداخل السياسة والاقتصاد والأمن الغذائي في صراع تجاوز، منذ زمن، حدود المعركة التقليدية.

السابق
اليونيفيل تنفي وجود تحذير بشأن طريق قانا – القاسمية