اكد الرئيس اللبناني جوزاف عون، الاثنين، أن لبنان سيتولى المفاوضات الثنائية مع إسرائيل بشكل مستقل، من خلال وفد يترأسه سفيره سيمون كرم، مشددا على أنه “لن يشارك أحد لبنان في هذه المهمة أو يحل مكانه”.
وكان الرئيس جوزاف عون قد استقبل السفير الأميركي في لبنان ميشال عيسى وعرض معه الأوضاع العامة في ضوء التطورات الأخيرة، والاتصالات بينه وبين الرئيس الأميركي دونالد ترامب ووزير خارجيته ماركو روبيو. كما تناول البحث مرحلة ما بعد الاجتماع الذي عقد في وزارة الخارجية الأميركية الأسبوع الماضي والسبل الايلة للمحافظة على وقف اطلاق النار.
وأوضح عون، خلال لقائه وفد “جبهة السيادة”، أن خيار التفاوض يهدف إلى وقف الأعمال العدائية، وإنهاء الاحتلال الإسرائيلي لمناطق جنوبية، ونشر الجيش اللبناني حتى الحدود الجنوبية المعترف بها دوليا.
تفتح هذه المعطيات السياسية الباب أمام مرحلة مفصلية في تاريخ الصراع اللبناني – الإسرائيلي، حيث تتقاطع إشارات دولية وإرادة داخلية للدفع نحو مسار تفاوضي مباشر. وفي قلب هذا المشهد، تبرز ثلاثة عناصر أساسية: الدور الأميركي، موقع الجيش، وإصرار الرئاسة اللبنانية على كسر الجمود التاريخي.
أولًا: تطمينات دونالد ترامب… وشراء الوقت السياسي
بحسب المعلومات اوردتها محطة MTV اللبنانية، فقد حمل الاتصال الأخير بين دونالد ترامب وجوزاف عون رسائل واضحة تتعلق بتمديد الهدنة مع إسرائيل إذا اقتضت الحاجة. هذه النقطة ليست تفصيلًا تقنيًا، بل تعكس إدراكًا أميركيًا لحساسية المرحلة اللبنانية، وضرورة “إنضاج الظروف” قبل الانتقال إلى خطوة أكثر حساسية، كالاتصال المباشر أو اللقاء مع بنيامين نتنياهو.
هذا التوجه يعني عمليًا أن واشنطن لا تضغط باتجاه استعجال التطبيع أو التفاوض، بل تفضّل إدارة إيقاع بطيء ومدروس، يمنح الداخل اللبناني فرصة لامتصاص الصدمة السياسية. وفي المقابل، يسعى عون إلى استثمار هذا الهامش الزمني لتأمين غطاء داخلي أوسع، وتخفيف حدة الاعتراضات، قبل الانتقال إلى الخطوة التالية.
ثانيًا: الجيش اللبناني… خط أحمر أميركي
في موازاة المسار السياسي، يبرز موقف لبناني رسمي واضح في التشديد على حماية الجيش اللبناني من أي استهداف سياسي أو إعلامي. وقد أبدت واشنطن تفهّمًا كبيرًا لهذا المطلب، انطلاقًا من إدراكها للدور المحوري الذي يلعبه الجيش في حفظ الاستقرار، لا سيما في ظل الانهيار المؤسساتي الذي يضرب البلاد.
الأهم من ذلك، أن المصالح الأميركية في لبنان—بحسب المعطيات—بقيت شبه الوحيدة التي لم تتعرض للاستهداف خلال التصعيد الأخير، وهو ما يُعزى بدرجة كبيرة إلى أداء الجيش. هذا الواقع يعزز موقع المؤسسة العسكرية كضامن للاستقرار، وكشريك أساسي في أي ترتيبات أمنية أو سياسية مقبلة.
ثالثًا: عون يدفع نحو التفاوض… وبرّي في موقع بيضة القبان
على المستوى الداخلي، يبدو جوزاف عون مصممًا على المضي قدمًا في خيار التفاوض المباشر مع إسرائيل، في محاولة لإنهاء أزمة ممتدة منذ أكثر من سبعة عقود. هذا التوجه، إن تحقق، سيشكّل تحوّلًا جذريًا في السياسة اللبنانية، وينقل البلاد من حالة الصراع المفتوح إلى مسار تسوية تاريخية.
غير أن نجاح هذا المسار لا يتوقف على الإرادة الرئاسية وحدها، بل يرتبط بشكل كبير بدور نبيه بري، الذي يُعوَّل عليه في تأمين الغطاء السياسي، خصوصًا داخل البيئة الشيعية. فبرّي يمتلك القدرة على تدوير الزوايا، وفتح قنوات تواصل غير مباشرة، ما يجعله عنصرًا حاسمًا في تمرير أي اتفاق محتمل.
لحظة مفصلية بين الفرصة والمخاطر
يقف لبنان اليوم أمام مفترق طرق حقيقي. التطمينات الأميركية، والدعم للمؤسسة العسكرية، وإصرار الرئاسة على التفاوض، كلها عوامل تدفع نحو تسوية محتملة. لكن في المقابل، تبقى التحديات الداخلية—السياسية والشعبية—قادرة على تعطيل هذا المسار أو تفجيره.
المرحلة المقبلة لن تكون سهلة: إما أن ينجح لبنان في استثمار هذه اللحظة لصياغة اتفاق ينهي عقودًا من الصراع، أو أن تضيع الفرصة تحت وطأة الانقسامات، ليبقى البلد أسير معادلات الحرب المفتوحة.

