تعطيل العودة إلى الجنوب: حين تتحول معاناة الأهالي إلى ورقة بيد حزب الله

النازحون من الجنوب

في لحظة كان يُفترض أن تشهد عودة تدريجية للأهالي إلى قراهم في الجنوب، يتكشف واقع مختلف تمامًا: تعطيل واضح، غير مبرر ميدانيًا، لكنه محكوم بحسابات سياسية صرفة. فمع إعلان المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي أفيخاي أدرعي عن قائمة القرى الواقعة ضمن ما يُعرف بـ”الخط الأصفر”—وعددها يقارب 55 بلدة—يُطرح سؤال جوهري: ماذا عن مئات القرى الأخرى الآمنة نسبيًا؟

الجنوب اللبناني يضم نحو 300 بلدة ومدينة، ما يعني أن غالبية هذه المناطق، خصوصًا في صور والنبطية وجزين وإقليم التفاح وصيدا، ليست ضمن نطاق التحذير المباشر. ومع ذلك، لا تزال العودة معطلة. هنا، لا يمكن تجاهل مسؤولية حزب الله عن هذا التعطيل.

أولًا: ذريعة الإعمار تخفي عجزًا وتبريرًا للتأجيل

يُروَّج لعدم عودة الأهالي على أنه مرتبط بعدم جهوزية البنية التحتية وغياب التعويضات. لكن هذا الطرح لا يصمد أمام التدقيق. فحتى في المناطق التي لم تتعرض لدمار كبير، لا تزال العودة مؤجلة، ما يكشف أن القضية ليست تقنية بل سياسية.

العجز عن دفع التعويضات—خصوصًا بعد حرب 2024—واضح، لكن بدل الاعتراف به، يجري استخدامه كذريعة لتعطيل العودة. فالحزب يدرك أن إعادة الناس إلى قراهم دون تعويضات سيُظهر حجم الانكشاف المالي، ويضعه في مواجهة مباشرة مع بيئته. لذلك، يصبح التأجيل خيارًا أقل كلفة من مواجهة الغضب الشعبي.

ثانيًا: الجنوب رهينة التفاوض بين إيران والولايات المتحدة

لا يمكن فصل قرار تعطيل العودة عن السياق الإقليمي. فحزب الله يتعامل مع الجنوب كجزء من جبهة مترابطة مع إيران، في مواجهة الولايات المتحدة وإسرائيل.

في ظل تعثر المحادثات، يصبح إبقاء الجنوب في حالة “تعليق” أداة ضغط. لكن هذه الاستراتيجية تأتي على حساب المدنيين، الذين يُمنعون من العودة ليس لأسباب أمنية مباشرة، بل لأن توقيت عودتهم لم ينضج سياسيًا بعد. وهنا، يتحول الجنوب من أرض لأهله إلى ورقة تفاوض في لعبة إقليمية.

ثالثًا: النازحون كأداة ضغط داخلي

إبقاء عشرات آلاف النازحين في بيروت ومناطق أخرى ليس مجرد نتيجة للحرب، بل خيار يُستثمر سياسيًا. فهذه الكتلة البشرية تشكل قوة ضغط يمكن تحريكها عند الحاجة، سواء عبر الشارع أو الخطاب السياسي.

في ظل مواقف الحزب الرافضة لأي مفاوضات مباشرة مع إسرائيل، والتصعيد تجاه السلطة السياسية ممثلة بـ جوزاف عون والحكومة، يصبح وجود النازحين خارج قراهم عنصرًا داعمًا لهذا التوجه. فكلما طال أمد النزوح، زادت قابلية توظيفه في الضغط السياسي.

لا مبرر أمني حقيقي لتعطيل شامل

إذا كانت 55 قرية فقط تقع ضمن نطاق الخطر المباشر، فما الذي يمنع عودة سكان مئات القرى الأخرى؟ هذا السؤال ينسف الرواية الأمنية التي تُستخدم لتبرير التعطيل.

في مناطق مثل صور وصيدا وأجزاء واسعة من النبطية وجزين، لا توجد معطيات ميدانية تمنع العودة التدريجية. ومع ذلك، يُفرض واقع تعميمي يمنع الجميع من العودة، وكأن الجنوب كله ساحة حرب. هذا التعميم ليس إجراءً احترازيًا، بل قرارًا سياسيًا يهدف إلى إبقاء الورقة بيد الحزب.

قرار سياسي على حساب الناس

ما يجري ليس مجرد تأخير إداري أو خلل لوجستي، بل سياسة ممنهجة لتعطيل عودة الأهالي. حزب الله، من خلال هذا السلوك، لا يكتفي بإدارة الصراع، بل يدير حياة الناس كجزء من أدواته.

النتيجة واضحة: مئات آلاف اللبنانيين رهائن حسابات تتجاوزهم، وعودة مؤجلة ليس بسبب الخطر، بل بسبب القرار. وفي ظل غياب أي أفق واضح، يبقى الجنوب معلقًا بين واقعين: قرى يمكن العودة إليها، وقرار يمنع ذلك.

السابق
حزب الله: تدمير 4 دبابات ميركافا الأحد أثناء تحركها من الطيبة إلى دير سريان
التالي
الهدنة بين لبنان وإسرائيل مستمرّة وسط خروقات ميدانيّة وتصعيد سياسي داخلي