احتجاجات إيران.. من انتفاضة على مستوى البلاد إلى قمع متعدد المستويات

ايران
بدأت الاحتجاجات في أواخر ديسمبر 2025 وأوائل يناير 2026 ردًا على الضغوط الاقتصادية وارتفاع الأسعار وتآكل القدرة الشرائية. لكنها سرعان ما تجاوزت المطالب الاقتصادية لتتحول إلى احتجاجات ذات طابع سياسي. فقد تحولت الشعارات خلال وقت قصير من نقد الأوضاع المعيشية إلى رفض شامل لبنية السلطة.

تحولت الاحتجاجات الشعبية الأخيرة في إيران من شرارة اقتصادية إلى واحدة من أوسع وأعنف موجات الاحتجاج في السنوات الأخيرة؛ بعد وقوع مجازر غير مسبوقة، وقطعٍ للاتصالات، وقمعٍ متعدد الطبقات، ولا تزال الأرقام الدقيقة لعدد الضحايا محل جدل.

ولا يمكن فهم احتجاجات ديسمبر (كانون الأول) 2025 ويناير (كانون الثاني) 2026 ضمن إطار بسيط؛ باعتبارها «موجة احتجاج أخرى». ففي فترة قصيرة، تحولت من احتجاجات اقتصادية إلى أزمة شاملة، ثم إلى واحدة من أشد حملات القمع المسجلة في تاريخ النظام الإيراني.

وما يميّز هذه الاحتجاجات عن الموجات السابقة، منذ ديسمبر 2017 إلى نوفمبر (تشرين الثاني) 2019 وانتفاضة 2022، ليس فقط اتساعها وسرعة انتشارها، بل تزامن ثلاث ظواهر: تعبئة اجتماعية واسعة، قتل مركز خلال فترة زمنية قصيرة جدًا، ومحاولة منظمة لإخفاء أبعاد ما جرى.

من احتجاج معيشي إلى انفجار سياسي

بدأت الاحتجاجات في أواخر ديسمبر 2025 وأوائل يناير 2026 ردًا على الضغوط الاقتصادية وارتفاع الأسعار وتآكل القدرة الشرائية. لكنها سرعان ما تجاوزت المطالب الاقتصادية لتتحول إلى احتجاجات ذات طابع سياسي. فقد تحولت الشعارات خلال وقت قصير من نقد الأوضاع المعيشية إلى رفض شامل لبنية السلطة.

وكانت السمة المهمة لهذه المرحلة سرعة الانتشار الجغرافي. تشير التقارير الميدانية إلى أن الاحتجاجات اندلعت في عشرات المدن وفي جزء كبير من المحافظات، وانتشرت بسرعة من منطقة إلى أخرى.

وما يميّز هذه الاحتجاجات عن الموجات السابقة، منذ ديسمبر 2017 إلى نوفمبر (تشرين الثاني) 2019 وانتفاضة 2022، ليس فقط اتساعها وسرعة انتشارها، بل تزامن ثلاث ظواهر: تعبئة اجتماعية واسعة، قتل مركز خلال فترة زمنية قصيرة جدًا، ومحاولة منظمة لإخفاء أبعاد ما جرى.

وعلى عكس بعض الموجات السابقة التي كانت لها مراكز محددة، واجهت البلاد هنا نمطًا من الانتشار المتزامن ومتعدد المراكز؛ وهو نموذج يعكس تراكم الاستياء في مختلف مستويات المجتمع.

وفي ذروة الاحتجاجات، تحدثت تقارير عن مشاركة واسعة في الشوارع، وهو مستوى من التعبئة يضعها ضمن كبريات الحركات الاجتماعية منذ الثورة الإيرانية. ويبدو أن هذا الاتساع كان أحد العوامل الحاسمة في طبيعة رد فعل النظام.

المنعطف الدموي: 8 و9 يناير

تشير جميع الروايات الموثقة تقريبًا إلى نقطة تحول رئيسية: يومي 8 و9 يناير 2026. خلال هذه الفترة، دخل القمع فجأة وبشكل شديد في مرحلة جديدة. وتظهر التقارير وقوع عمليات قتل واسعة خلال هذين اليومين، يمكن وصفها بأنها أكبر موجة قمع مركزة في تاريخ الجمهورية الإسلامية.

وما يميّز هذه المرحلة ليس فقط عدد القتلى، بل تركّز العنف زمنياً. ففي حين توزعت أعمال العنف في احتجاجات نوفمبر 2019 أو انتفاضة 2022 على عدة أيام أو أسابيع، فإن جزءًا كبيرًا من الضحايا في ديسمبر 2025 سقط خلال 48 ساعة.

وهذا «التركيز العنفي» يمثل تحولاً مهمًا في نمط القمع؛ وهو نهج يهدف إلى كسر موجة الاحتجاج بسرعة قبل أن تتماسك.

وتشير تقارير دولية موثوقة، خاصة من “منظمة العفو الدولية” و”هيومن رايتس ووتش” وروايات طبية وميدانية نشرتها وسائل الإعلام، إلى صورة واضحة نسبيًا لنوع الأسلحة المستخدمة في قمع الاحتجاجات الأخيرة.

وبحسب هذه المصادر، استخدمت قوات الأمن الذخيرة الحية والأسلحة النارية القاتلة على نطاق واسع ومباشر ضد المتظاهرين؛ بما في ذلك بنادق هجومية، وبنادق “شوزن”، وفي بعض الحالات رشاشات ثقيلة (مثل مدفع دوشكا) تُستخدم عادة في ساحات القتال.

كما تشير التقارير إلى وجود قناصة في مواقع مرتفعة وإطلاق نار متعمد على الرأس والصدر والأعضاء الحيوية، وهو نمط يدل على سياسة «إطلاق النار بهدف القتل» وليس السيطرة على الحشود.

وفي ذروة الاحتجاجات، تحدثت تقارير عن مشاركة واسعة في الشوارع، وهو مستوى من التعبئة يضعها ضمن كبريات الحركات الاجتماعية منذ الثورة الإيرانية. ويبدو أن هذا الاتساع كان أحد العوامل الحاسمة في طبيعة رد فعل النظام.

إلى جانب ذلك، تم توثيق استخدام أدوات «أقل فتكًا» مثل الرصاص المطاطي والغاز المسيل للدموع، لكن حتى هذه الأسلحة- بحسب منظمة العفو الدولية-استُخدمت بشكل متعمد على مناطق حساسة من الجسم، مما تسبب في فقدان البصر أو إعاقات دائمة.

وبالإضافة إلى ذلك، تتحدث بعض التقارير الميدانية عن استخدام السكاكين والعنف الجسدي المباشر من قِبل قوات بملابس مدنية.

وتشير هذه المعطيات مجتمعة إلى أن أدوات القمع تجاوزت مستوى مكافحة الشغب لتصل إلى استخدام أسلحة حربية ضد المدنيين.

مجزرة بلا رقم نهائي

أحد أكثر الجوانب تعقيدًا هو التباين الكبير في أعداد القتلى؛ فقد أعلنت الحكومة الإيرانية نفسها عن رقم رسمي يقارب ثلاثة آلاف قتيل.

وفي المقابل، تشير تقارير “إيران إنترناشيونال” إلى نطاق أوسع بكثير استنادًا إلى مصادر متعددة، من بضعة آلاف إلى ما بين 12 و20 ألف قتيل، بل وتصل بعض التقارير إلى أكثر من 36 ألف قتيل.

كما توجد تقارير تتحدث عن آلاف القتلى الذين لم تُسجل هوياتهم أو ما زالوا قيد التحقيق. وذكرت جهات دولية، بما فيها المقرر الخاص للأمم المتحدة، أن الأرقام الفعلية قد تكون أعلى بكثير من الأرقام الرسمية بسبب صعوبة التحقق.

وهذا الفارق لا يمثل مجرد اختلاف عددي، بل يعكس محاولة موازية للتحكم في الرواية وإخفاء حجم ما حدث.

من الشارع إلى المستشفى والمقبرة.. قمع متعدد الطبقات

إذا كان القمع في الاحتجاجات السابقة يتركز في الشارع، فإن ديسمبر 2025 ويناير 2026 شهدا نمطًا متعدد الطبقات يشمل مجالات مختلفة. ففي الشارع، تشير التقارير إلى استخدام مكثف للأسلحة النارية وإطلاق النار المباشر على المتظاهرين. لكن القمع لم يتوقف هنا.

وتشير التقارير إلى أن قوات الأمن اقتحمت المستشفيات واعتقلت الجرحى، مما حوّل العلاج إلى خطر أمني بحد ذاته. وقد أدى ذلك إلى زيادة عدد الضحايا، وتوسيع نطاق القمع خارج ساحة الاحتجاج.

تم توثيق استخدام أدوات «أقل فتكًا» مثل الرصاص المطاطي والغاز المسيل للدموع، لكن حتى هذه الأسلحة- بحسب منظمة العفو الدولية-استُخدمت بشكل متعمد على مناطق حساسة من الجسم، مما تسبب في فقدان البصر أو إعاقات دائمة

وفي المرحلة التالية، أصبح التعامل مع الجثث والسيطرة على مراسم العزاء جزءًا من منظومة القمع. فقد أصبح العثور على جثامين القتلى تحديًا كبيرًا. كما جرى احتجاز الجثامين في مستودعات الطب الشرعي، واضطرت العائلات للبحث عن أبنائها بين أعداد كبيرة من الضحايا، وهي من أكثر الصور إيلامًا في تلك الفترة. وفي كثير من الحالات سُلّمت الجثث متأخرة أو بشروط خاصة، وتمت عمليات الدفن تحت رقابة وقيود مشددة.

وهذا المسار يدل على أن التحكم في الأثر الاجتماعي للمجزرة كان لا يقل أهمية عن القمع نفسه.

الإنترنت.. أداة للقمع والإخفاء

لعب قطع وتقييد الإنترنت دورًا محوريًا في هذه الاحتجاجات. لكن الفرق المهم عن 2019 هو أن هذا الإجراء لم يكن مجرد رد فعل على الاحتجاجات، بل كان جزءًا من عملية إخفاء القمع نفسه.

وهذه المرة استمر الانقطاع لفترات أطول وبشكل مُدار، ما أدى إلى تعطيل الوصول إلى المعلومات وإرسال الصور وحتى التواصل اليومي بين المواطنين. وقد صعّب ذلك عملية التحقق المستقل ومنع وصول المساعدات وتوثيق الأحداث.

الفرق الحقيقي مع الموجات السابقة

بالمقارنة مع انتفاضتي 2019 و2022، تتميز الاحتجاجات الشعبية الأخيرة بعدة اختلافات رئيسية، وهي: أولاً- تزامن اتساع الاحتجاج مع شدة القمع. ثانيًا- تركّز العنف في فترة زمنية قصيرة جدًا، ما يشير إلى تغير في استراتيجية القمع. ثالثًا- امتداد القمع إلى مجالات تتجاوز الشارع، من المستشفيات إلى المقابر والمجال المعلوماتي.

وبمعنى آخر، إذا كان نوفمبر 2019 رمزًا للقمع مع قطع الإنترنت، وانتفاضة 2022 رمزًا لاستمرار الاحتجاج تحت الضغط الأمني، فإن ديسمبر 2025 ويناير 2026 يمثلان نقطة تحول أصبح فيها القمع منظومة متعددة الطبقات تعمل في وقت واحد وعلى جبهات مختلفة.

تترافق مهنة الصحافة في إيران منذ سنوات مع القيود والرقابة والاستدعاءات والفصل والاعتقال والسجن؛ وهي مهنة مكلفة، اضطر كثير من العاملين المستقلين فيها إلى مغادرة البلاد، فيما اختار آخرون البقاء رغم كل الضغوط أملاً في التغيير.

وفي فترات مختلفة، خصوصاً مع تصاعد الاحتجاجات وتفاقم الأزمات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، اتسعت دائرة القيود أكثر، وضاقت مساحة العمل أمام وسائل الإعلام المستقلة.

وما يمكن ملاحظته في هذا المسار ليس فقط زيادة الضغوط، بل أيضاً تغيّر أسلوب ونوعية فرض القيود؛ بحيث أصبحت عملية إنتاج الرواية الميدانية والتحقق منها ونشر أبسط الأخبار تواجه عقبات متعددة.

وقد جعلت أحداث الاحتجاجات الشعبية الأخيرة، في شهر يناير (كانون الثاني) الماضي، بالتزامن مع احتجاجات واسعة وقمع شديد للمحتجين، ثم الظروف المرتبطة بالحرب، هذا الوضع أكثر تعقيداً وصعوبة.

منع نشر التقارير

يقول صحافي يبلغ من العمر 33 عاماً، مشيراً إلى المستقبل الغامض: «سمعت مرة من زميل أنه بعد إغلاق جماعي للصحف في التسعينيات، اضطر أحد الصحافيين للعمل في مغسلة سيارات لكسب رزقه. الوضع الذي أعيشه ليس أفضل من ذلك».

وقد جعلت أحداث الاحتجاجات الشعبية الأخيرة، في شهر يناير (كانون الثاني) الماضي، بالتزامن مع احتجاجات واسعة وقمع شديد للمحتجين، ثم الظروف المرتبطة بالحرب، هذا الوضع أكثر تعقيداً وصعوبة.

ويضيف أنه واجه في عمله حالات رقابة مباشرة داخل غرفة التحرير؛ إذ تحدث ثلاث مرات مع عائلات معتقلين في احتجاجات يناير الماضي، لكن في كل مرة مُنع نشر التقرير.

ويقول إن رئيس التحرير أخبره: «إذا نُشر هذا الموضوع فسيتم إغلاق الصحيفة. هل تريد أن تدمّر رزق الآخرين؟ هناك مواضيع كثيرة، لكن هذا لا يمكن نشره».

قيود على رواية القتلى

يتحدث صحافي آخر عن القيود المفروضة على تغطية أحداث القتل في الاحتجاجات، ويقول: «كان يُسمح بالنشر فقط إذا صيغت الرواية بطريقة تُظهر أن الشخص القتيل لا علاقة له بالاحتجاجات أو يتم تقديمه قريباً من الأجهزة الأمنية. كان يجب استخدام كلمات مثل الإرهابيين واللغة الرسمية، وإلا فلن يُنشر التقرير».

ويضيف أنه تعرّض للاعتقال سابقاً، وأنه تلقى تهديدات أمنية مباشرة، مضيفًا: «اتصل بي شخص مجهول، وقال بصوت محقق: لن تكتب في أي مكان. إذا كتبت على إنستغرام أو تويتر أو حصلت منشوراتك على تفاعل من الطرف الآخر، فستكون ضيفاً لدينا».

ويؤكد أن الوضع في وكالات الأنباء المحلية أصعب بكثير، وأن بعض زملائه اعتُقلوا خلال الاحتجاجات، وما زال وضعهم مجهولاً.

تعليمات إعلامية خلال الحرب

صحافي آخر تم تعليقه حديثاً يتحدث عن تعليمات التغطية الإعلامية خلال فترة الحرب، قائلاً: «كان يُطلب منا فقط نشر تقارير عن الإغاثة وسلوك القوات الإيجابي. لم يكن مسموحاً الحديث عن نقاط التفتيش العنيفة، أو تهديد الناس، أو غياب الملاجئ، أو عدم وجود صفارات إنذار».

ويضيف أن الرقابة بعد أحداث يناير الماضي أصبحت أشد، مؤكدًا: «قبل ذلك كانت هناك صعوبات، لكن بعد الاحتجاجات أصبح كل خبر يخضع لعدة مراجعات، وأصبح النشر شبه مستحيل».

ويشير إلى أنه حتى النشاط على وسائل التواصل الاجتماعي أصبح تحت المراقبة، مع استدعاءات وضغوط لحذف المحتوى.

كما يتحدث عن دور الصحافيين الأجانب قائلاً: «إن الصحافيين الأجانب بات عملهم أصعب. المترجم المرافق، رغم حصوله على ترخيص رسمي، يلعب عملياً دور الرقيب، ويؤثر على مسار الرواية منذ لحظة المقابلة».

روايات لا تصل إلى النشر

في الخلاصة، تتكرر نقطة مشتركة في جميع هذه الشهادات: الرواية الرسمية تسيطر على المشهد، بينما يتم إيقاف الروايات المستقلة في مرحلة الإنتاج أو منعها من الوصول إلى النشر.

ومِن ثمّ، فإن ما يصل إلى المجتمع حول الاحتجاجات والاعتقالات والقمع ليس صورة كاملة، بل رواية خاضعة للرقابة والانتقاء، تُبقي جزءاً كبيراً من الحقيقة في الصمت.

السابق
ترامب يطمئن الرئيس عون..ولبنان على حافة مفاوضات تاريخية مع إسرائيل
التالي
عندما تتقاتل «أجنحة النظام» علناً.. هل دخل النظام الإيراني «مرحلة التفكك»؟