انطلاق «مفاوضات واشنطن» المباشرة اليوم: بيروت تتمسك بـ «وقف النار» وتل أبيب تفرض «شروط الميدان»

لبنان واسرائيل

تتجه أنظار العواصم الدولية اليوم صوب وزارة الخارجية الأميركية في واشنطن، حيث تنطلق جولة مفاوضات مباشرة بين لبنان وإسرائيل في تمام الساعة 14:00 بتوقيت غرينتش. وتكتسب هذه الجولة أهمية تاريخية استثنائية، ليس فقط لكونها اللقاء المباشر الثاني من نوعه منذ عام 1983، بل لكونها تأتي في لحظة ميدانية فارقة وتحول دبلوماسي يسعى من خلاله لبنان لانتزاع «استقلاليته التفاوضية» بعيداً عن الوصاية الإيرانية.

طاولة واشنطن: الأطراف والأهداف المتباينة

تجمع الطاولة المستديرة في واشنطن سفيرة لبنان ندى حمادة معوض، ونظيرها الإسرائيلي يحيئيل ليتر، برعاية السفير الأميركي لدى لبنان ميشال عيسى ومسؤولين من الخارجية الأميركية. هذه الجولة التي تُعد تمهيداً لمفاوضات تقنية أعمق قد تترأسها لاحقاً شخصيات دبلوماسية رفيعة كالسفير السابق سيمون كرم في قبرص، تصطدم بأجندات متناقضة تماماً:

  • الموقف اللبناني: تذهب بيروت إلى المفاوضات مدفوعة بقرار رسمي يهدف إلى فصل ملفها عن المسار الإيراني، مع اشتراط “وقف إطلاق النار الفوري” كمدخل إلزامي لأي بحث تقني، مع طلب ضمانات دولية لحماية السيادة من التوغلات المستقبلية وتخفيف حدة الانهيار الاقتصادي.
  • الموقف الإسرائيلي: تدخل تل أبيب المفاوضات من منطق “القوة”، رافضة وقف النار قبل تحقيق أهدافها التي تتلخص في نزع سلاح حزب الله، وفرض ترتيبات أمنية تضمن إبعاد الحزب عن الحدود، مع الاحتفاظ بحرية التحرك العسكري عند الضرورة.

الميدان يسبق الدبلوماسية: استراتيجية «الحزام العميق»

على وقع التحضيرات في واشنطن، لم تهدأ طبول الحرب في الجنوب اللبناني. فقد أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بوضوح أن القتال مستمر، مركزاً على معركة السيطرة على مدينة “بنت جبيل”. وكشف نتنياهو عن تحول في الاستراتيجية الإسرائيلية من السيطرة الموضعية إلى إنشاء “حزام أمني متين وعميق” داخل الأراضي اللبنانية، بهدف تدمير البنية التحتية لحزب الله في القرى الحدودية وإزالة تهديد الصواريخ المضادة للدروع.

إقرأ أيضا: قراءة قانونية.. هل يحظر الدستور اللبناني التفاوض المباشر مع إسرائيل؟

في المقابل، يواجه هذا المسار الدبلوماسي معارضة شرسة من الداخل اللبناني يقودها “حزب الله”؛ حيث دعا الأمين العام للحزب الشيخ نعيم قاسم الدولة اللبنانية إلى إلغاء التفاوض، معتبراً إياه تنصلاً من المقاومة. وأكد قيادي بارز في الحزب أنهم لن يلتزموا بأي مخرجات تصدر عن هذه المباحثات، مما يضع الدولة اللبنانية أمام تحدي إثبات قدرتها الواقعية على تنفيذ أي التزام دولي مستقبلي.

السياق التاريخي: من الهدنة إلى الترسيم

تأتي مفاوضات اليوم لتبني على إرث طويل ومعقد من الاتفاقات والترتيبات بين الجانبين، والتي وثقتها صحيفة «النهار» ضمن المحطات التالية:

  1. اتفاقية الهدنة (1949): الوثيقة الأم التي رسمت خط الهدنة على أساس الحدود الدولية.
  2. اتفاق 17 أيار (1983): الذي وُلد ميتاً وألغاه لبنان لاحقاً ولم يحظَ بصبغة الاستقرار.
  3. الخط الأزرق (2000): خط التحقق الأممي الذي أصبح المرجع الميداني لرصد الانتهاكات.
  4. ترسيم الحدود البحرية (2022): الاتفاق الأنجح قانونياً الذي تم عبر تبادل رسائل رسمية بوساطة أميركية.
  5. تفاهم تشرين الثاني (2024): الترتيب الأخير لوقف الأعمال العدائية الذي اعتبرته الأمم المتحدة خطوة نحو تطبيق القرار 1701.

خيار لبنان الحتمي والضغوط الدولية

بينما تحث القوى الدولية، وعلى رأسها ألمانيا عبر مستشارها فريدريش ميرتس، الجانب الإسرائيلي على إنهاء القتال والانخراط في محادثات سلام مع الحكومة اللبنانية، يجد لبنان نفسه أمام خيار حتمي لاستعادة ثقة المجتمع الدولي.

إن نجاح مفاوضات واشنطن يبقى رهيناً بقدرة الدبلوماسية اللبنانية على المناورة بين تصعيد إسرائيلي يهدف لفرض واقع ميداني جديد في بنت جبيل وجنوب الليطاني، وبين ضغوط داخلية ترفض مبدأ التفاوض المباشر. وبذلك، تظل جولة اليوم “اختباراً للنيات” واختباراً لقدرة الدولة اللبنانية على استعادة قرارها السيادي في خضم حرب إقليمية طاحنة.

السابق
ما هي أبرز حروب الشيخ نعيم قاسم المحلية والخارجية؟!
التالي
أسرار الصحف المحلية الصادرة يوم الثلثاء في 14 نيسان 2026