«المفاوضات المباشرة».. هل هي «صك استسلام» أم «فرصة أخيرة» لإنقاذ ما تبقى من أشلاء لبنان؟

إن المفاوضات في علم السياسة ليست اعترافاً بالحقوق التاريخية للآخر بالضرورة، بل هي أداة ديبلوماسية لإدارة «صراع الوجود» وتحويله إلى «صراع حدود» ومصالح تؤمن الحد الأدنى من الأمان للمواطنين. إن الرفض المطلق للتفاوض، دون تقديم بديل يوقف آلة القتل، هو في جوهره دعوة لمزيد من «الموت المجاني» والانهيار الشامل.

في تاريخ الشعوب، ثمة لحظات لا تحتمل الترف الفكري أو المزايدات الشعاراتية، لحظات يوضع فيها الوطن بكامل كيانه على مشرحة الخيارات الصعبة. ولبنان اليوم، المثخن بجراح الحرب والانهيار، يقف أمام واحد من أكثر التحديات جدلية في تاريخه الحديث: «المفاوضات المباشرة» مع إسرائيل برعاية أمريكية.

وبينما تلوح في الأفق بارقة أمل لإنهاء نزيف الدم، ينبري فريق سياسي، متسلحاً بأدبيات «حزب الله»، لرفض هذا المسار جملة وتفصيلاً، واضعاً البلاد أمام سؤال وجودي: إلى أين يريد هذا الفريق المضي بلبنان؟ وهل ثمة بديل واقعي يحمي ما تبقى من أشلاء وطن؟

جدلية «الاستسلام» والواقع الميداني

يرتكز الخطاب الرافض للمفاوضات المباشرة على سردية تعتبر الجلوس وجهاً لوجه مع الجانب الإسرائيلي بمثابة «صك استسلام» واعترافاً صريحاً بالكيان.

ويتسلح هذا الفريق بما يسميه «الإنجازات العسكرية الميدانية» على الحدود، معتبراً أن منطق القوة هو الوحيد القادر على فرض الشروط. لكن، وقراءةً في الواقع المرير، نجد أن هذا المنطق يتجاهل كلفة هذه «الإنجازات».

ففي ظل اختلال موازين القوى التكنولوجية والجوية، واستمرار الاعتداءات الإسرائيلية التي لم تبقِ شجراً ولا حجراً في الجنوب والبقاع وضاحية بيروت، يصبح الحديث عن «النصر الإلهي» فوق ركام المنازل وأجساد الضحايا نوعاً من الانفصال عن الواقع.

إن المفاوضات في علم السياسة ليست اعترافاً بالحقوق التاريخية للآخر بالضرورة، بل هي أداة ديبلوماسية لإدارة «صراع الوجود» وتحويله إلى «صراع حدود» ومصالح تؤمن الحد الأدنى من الأمان للمواطنين. إن الرفض المطلق للتفاوض، دون تقديم بديل يوقف آلة القتل، هو في جوهره دعوة لمزيد من «الموت المجاني» والانهيار الشامل.

عقم الاتفاقات «غير المباشرة».. دروس التاريخ

على مدى عقود، اختبر لبنان صيغاً مختلفة من التفاهمات «غير المباشرة»، بدءاً من تفاهم نيسان 1996 وصولاً إلى القرار 1701 وما تلاه. والحقيقة الثابتة أن هذه الاتفاقات، رغم ضرورتها آنذاك، كانت بمثابة «مسكنات مؤقتة» لا حلولاً جذرية. كانت إسرائيل تخرقها يومياً، وكان السلاح الموازي للدولة يستخدمها كغطاء لإعادة التموضع.

اليوم، يطرح لبنان الرسمي، ممثلاً بحكومة «نواف سلام»، خياراً مختلفاً. إن الذهاب نحو مفاوضات مباشرة وواضحة تحت رعاية دولية هو محاولة لانتزاع «ضمانات دولية» حقيقية، ووضع العالم أمام مسؤولياته تجاه سيادة لبنان.

إن الفرق بين المفاوضات المباشرة وغير المباشرة اليوم هو الفرق بين «الوضوح والغموض»، بين تحمل الدولة لمسؤوليتها وبين بقاء القرار رهينة قوى لا تخضع للمساءلة الوطنية.

المظلة الإقليمية: حين يفاوض «الأصيل» ويمنع «الوكيل»

من المفارقات العجيبة في المشهد اللبناني أن الفريق الرافض للتفاوض المباشر في بيروت، يغض الطرف تماماً عن «ماراثون المفاوضات» الجاري في «إسلام آباد» بين إيران والولايات المتحدة. فبينما يجلس الوفد الإيراني لساعات طوال لمناقشة البرنامج النووي والعقوبات ومستقبل المنطقة مع «الشيطان الأكبر»، يُحرّم على الدولة اللبنانية أن تبحث عن خلاصها عبر القنوات الديبلوماسية نفسها.

إقرأ أيضا: السيد محمد حسن الأمين..سيرة عقلٍ حرٍّ وقلبٍ رحيم في ذاكرة جبل عامل

هذا التناقض يكشف أن قرار الرفض ليس نابعاً من مصلحة وطنية لبنانية صرفة، بل هو جزء من «أوراق الضغط» التي يحتفظ بها المحور الإقليمي.

إن لبنان لم يعد يحتمل أن يكون «صندوق بريد» أو ساحة لتصفية الحسابات. إذا كانت طهران تفاوض من أجل مصالحها القومية، فمن حق بيروت، بل من واجبها، أن تفاوض من أجل «بقاء إنسانها» وقيامة مؤسساتها.

ماذا يريدون؟.. صرخة في وجه العدمية

السؤال الذي يطرحه كل لبناني غيور اليوم: ماذا يريد الرافضون فعلياً؟ هل يريدون استمرار القتال حتى آخر حجر في الجنوب؟ هل يريدون تحويل لبنان إلى «غزة ثانية» تحت ذريعة الصمود؟ إن غياب الرؤية البديلة لدى هذا الفريق يثبت أن خيارهم هو «العدمية السياسية».

إنهم يرفضون السلام ولا يملكون مقومات الحرب الشاملة، يرفضون الدولة ولا يقدمون للمواطن سوى «التعازي بالشهداء».

ألا يحق للبنان، ولو لمرة واحدة منذ ولادته، أن يسلك درب «الحلول الدائمة»؟ إن السلام ليس ضعفاً، بل هو شجاعة المواجهة بالديبلوماسية حين تعجز المدافع عن حماية الأبرياء. إن الموقف الوطني الجامع اليوم يتطلب الالتفاف حول «المفاوض اللبناني» ومنحه الشرعية الكاملة لاستعادة السيادة، ليس فقط من العدو الإسرائيلي، بل أيضاً من منطق «الدويلة» الذي صادر قرار الحرب والسلم لسنوات.

نحو «موقف وطني جامع».. استعادة الدولة

يجب على «حزب الله» أن يدرك أن لحظة الحقيقة قد حانت؛ فالبلاد لم تعد تحتمل مغامرات غير محسوبة، والشعب اللبناني بكل طوائفه بات يرفض أن يُقاد نحو «مذبح المصالح الإقليمية».

إن القوة الحقيقية اليوم تكمن في العودة إلى «منطق الدولة»، وفي الوقوف خلف حكومة «نواف سلام» لانتزاع اتفاق يحفظ كرامة لبنان ويوقف الانهيار الاقتصادي والاجتماعي.

لبنان أولاً وأخيراً

في الختام، إن الطريق إلى واشنطن أو إلى أي طاولة تفاوض دولية، يجب أن يمر أولاً عبر «بيروت». إن السيادة لا تتجزأ، والحرية لا تُمنح كصدقة، بل تُنتزع بحكمة رجالات الدولة. إن لبنان أمام خيارين لا ثالث لهما: إما الذهاب نحو «حل سياسي» يحفظ ما تبقى، أو الاستمرار في «دوامة الموت» التي لن تترك لنا وطناً نختلف عليه.

لقد آن الأوان لرفع الصوت عالياً: لبنان يريد الحياة، يريد السلام، ويريد أن يكتب تاريخه بأقلام ديبلوماسية وطنية، لا بدماء أبنائه التي تسيل خدمة لمشاريع لم تعد تعني اللبنانيين في شيء.

فهل يسمع من صموا آذانهم خلف متاريس الإيديولوجيا؟ أم أنهم سيمضون بالبلاد إلى حيث لا ينفع الندم؟

السابق
جاي دي فانس يعلن عدم التوصل لاتفاق في «إسلام آباد»: طهران لم تقبل شروطنا والوفد يعود لواشنطن
التالي
«الشارع خط أحمر».. رسالة حاسمة من الرياض والقاهرة لبري تُجهض حراك «الحزب» وتنقذ السلم الأهلي