لم تعد المنطقة تعيش حروباً متفرقة يمكن عزلها أو تفسيرها كلٌ على حدة،بل دخلت طوراً جديداً حيث تتشابك الجبهات وتذوب الحدود السياسية في مسرح صراع واحد تُدار إيقاعاته من الخارج.
في لحظة مكثفة تختصر هذا الانفجار، تُضرب إيران، يُستنزف لبنان، وتُفتح السماء على احتمالات تصعيد بلا سقف، هنا يتلاشى السؤال التقليدي: من يحارب من؟ ليحل مكانه سؤال أكثر فجاجة: من يُستَخدم؟ ومن يُستنزف؟ ومن يدفع الثمن فعلياً؟
ومن هذه الزاوية تحديداً، يمكن فهم كيف تحوّلت الضربة الأمريكية–الإسرائيلية لإيران، والتي بلغت حد اغتيال المرشد خامنئي إلى شرارة انفجار شامل لا إلى حدث معزول. دخول حزب الله الحرب تحت شعار (الرد) و الثأر لخامنئي لم يؤسس لتوازن ردع كما روّج، بل فتح لبنان بكامله على حرب مفتوحة،وما لبثت إسرائيل أن وسّعت المواجهة من الحدود إلى العمق، حتى باتت بيروت نفسها جزءاً من بنك الأهداف، وسقط مئات الضحايا وتحوّل النزوح إلى ظاهرة جماعية تقارب خُمس السكان، وهنا، لا تعود الحرب خياراً سياسياً، بل تتحول إلى كارثة بنيوية تصيب المجتمع في صميمه.
لكن ما هو أخطر من الدمار المادي، هو الانهيار الرمزي الذي رافقه، فالشعارات التي شكّلت لسنوات غطاءً أخلاقياً للحرب سقطت دفعة واحدة، ولم يعد مفهوم (المقاومة) محصّناً من التشكيك الداخلي. بل إن الدولة اللبنانية نفسها، في سابقة غير مألوفة، كسرت هذا الغطاء حين أعلنت أن قرار الحرب والسلم ليس بيد الحزب، وطالبت صراحة بإعادة احتكار العنف تحت سلطة الدولة.
هذا ليس تفصيلاً إجرائياً، بل إعلان قطيعة سياسية بين مشروعين: مشروع الدولة ومشروع السلاح العابر لها.
ما هو أخطر من الدمار المادي، هو الانهيار الرمزي الذي رافقه، فالشعارات التي شكّلت لسنوات غطاءً أخلاقياً للحرب سقطت دفعة واحدة، ولم يعد مفهوم (المقاومة) محصّناً من التشكيك الداخلي. بل إن الدولة اللبنانية نفسها، في سابقة غير مألوفة، كسرت هذا الغطاء حين أعلنت أن قرار الحرب والسلم ليس بيد الحزب، وطالبت صراحة بإعادة احتكار العنف تحت سلطة الدولة
غير أن التصدع لم يتوقف عند الداخل اللبناني، بل تمدد إلى الفضاء الإقليمي حيث تآكلت صورة الحزب بشكل غير مسبوق، فالقوة التي قُدّمت لسنوات كدرع للمنطقة، باتت تُقرأ كأداة ضمن شبكة نفوذ تقودها إيران.
مع تكرار مشاهد الدمار والانهيار الاقتصادي والنزوح، فقدت فكرة (الحرب الدائمة)جاذبيتها حتى لدى من كانوا يرونها جزءاً من الهوية السياسية،لم يعد الخطاب التعبوي كافياً لإقناع مجتمع يدفع الثمن مراراً دون أفق
وما يعمّق هذا الانطباع أكثر، أن صورة إيران في الوعي العربي لم تعد مرتبطة فقط بخطاب (المواجهة) بل أيضاً بسجل طويل من الضربات والتدخلات التي حوّلت عواصم عربية إلى ساحات اشتباك مفتوحة.
صواريخ تُطلق عبر وكلاء، جبهات تُدار بالنيابة، ودول تُستنزف من داخلها، حتى بات السؤال يتبدل جذرياً: ليس من يواجه إسرائيل، بل من يفرض على المجتمعات العربية أن تعيش داخل حرب ليست حربها. بهذا المعنى، لم تعد هذه الضربات استثناءً، بل نمطاً يعيد تعريف الفاعلين ويكشف كلفة الارتباط بمحاور إقليمية.
مع تكرار مشاهد الدمار والانهيار الاقتصادي والنزوح، فقدت فكرة (الحرب الدائمة)جاذبيتها حتى لدى من كانوا يرونها جزءاً من الهوية السياسية،لم يعد الخطاب التعبوي كافياً لإقناع مجتمع يدفع الثمن مراراً دون أفق
ومن هنا تحديداً، يصبح فهم التحول السوري أكثر قسوة ووضوحاً، فالمسألة لم تعد مجرد موقف سياسي، بل ذاكرة دموية متراكمة لا يمكن القفز فوقها، من دير بعلبة في حمص، حيث قُتل أكثر من مئتي مدني بينهم نساء وأطفال بعد حصار واقتحام دموي، إلى ريف حلب الذي تحوّل في عام ٢٠١٣ إلى مسرح إعدامات ميدانية: في العدنانية أُعدم أسرى ورُميت جثثهم في العراء، وفي أم عامود عُثر على جثث شباب أُلقيت في الآبار، وفي المزرعة قُتل عشرات المدنيين وأُحرقت جثث بعضهم، وفي المالكية سقط عشرات القتلى بينهم أطفال ونساء، وفي تل شغيب أُعدم شبان وأُحرقت أجسادهم.
هذه ليست حوادث معزولة، بل سلسلة متصلة شكّلت وعياً سورياً جديداً تجاه من كان يُقدَّم كـ(قوة حليفة).
وعليه، حين يُقصف لبنان اليوم، لا يرى كثير من السوريين المشهد من زاوية الضحية المجردة، بل من زاوية ذاكرة لم تُغلق، إنها ليست شماتة بقدر ما هي انهيار كامل لصورة سابقة: من(حاضنة) إلى طرف في الدم.
إقرأ أيضا: حرب مفتوحة وأسئلة النهاية: لبنان بين النار والمجهول السياسي..جدل متصاعد حول أمد الحرب وجدواها
وحين تسقط الصورة، تسقط معها الحصانة الأخلاقية، ويُعاد تعريف الفاعل بعيون من عايشوه لا ببياناته.
وفي هذا السياق، لا يمكن فصل هذا التحول عن تغير أعمق في الوعي العربي نفسه، فالقضية الفلسطينية، التي شكّلت لعقود مبرراً شاملاً لكل الاصطفافات، لم تعد قادرة على لعب الدور ذاته بذات الأدوات. ليس لأن مركزيتها الأخلاقية تراجعت، بل لأن كلفة توظيفها في حروب مفتوحة باتت تفوق قدرة المجتمعات المنهكة على الاحتمال. وهكذا، ينتقل السؤال من (كيف نواجه إسرائيل؟) إلى (لماذا دفع مجتمعاتنا ثمن صراعات لا تملك قرارها؟)
ضمن هذا التحول، تتعرض إيران أيضاً لإعادة تقييم جذرية في المخيال العربي، فحين تتحول أراضي دول عربية إلى منصّات لصراعاتها، يتغير موقعها من (قوة مواجهة)إلى فاعل يفرض كلفة إضافية على بيئات هشة أصلاً.
وهنا، يلتقي المزاج اللبناني الجديد مع اتجاه عربي أوسع يرفض تحويل الدول إلى ساحات تصفية حسابات.
وليس بعيداً عن ذلك، بدأت بيئة الحزب الحاضنة نفسها تُظهر شروخاً واضحة، فالإجماع الذي كان يُقدّم كأحد مصادر القوة، لم يعد قائماً.
ومع تكرار مشاهد الدمار والانهيار الاقتصادي والنزوح، فقدت فكرة (الحرب الدائمة)جاذبيتها حتى لدى من كانوا يرونها جزءاً من الهوية السياسية،لم يعد الخطاب التعبوي كافياً لإقناع مجتمع يدفع الثمن مراراً دون أفق.
ما يجري ليس مجرد حرب جديدة، بل تفكك مرحلة كاملة من الوعي السياسي العربي، مرحلة كانت تقوم على العاطفة والتعبئة والاصطفاف الحاد، وتُدار بخطابات كبرى تتجاوز الواقع
وعليه، تتكثف المفارقة: حزب دخل الحرب دفاعاً عن محور إقليمي، فوجد نفسه محاصراً برفض داخلي، وذاكرة إقليمية معادية، وسردية فقدت قدرتها على الإقناع. وفي المقابل، شعوب كانت تتضامن بلا شروط، باتت تعيد حساباتها انطلاقاً من تجاربها المباشرة لا من شعارات عابرة.
في المحصلة، ما يجري ليس مجرد حرب جديدة، بل تفكك مرحلة كاملة من الوعي السياسي العربي، مرحلة كانت تقوم على العاطفة والتعبئة والاصطفاف الحاد، وتُدار بخطابات كبرى تتجاوز الواقع.
أما اليوم، فالمشهد أكثر قسوة ووضوحاً، براغماتية باردة تحل محل الشعارات، ومجتمعات ترفض أن تكون وقوداً دائماً لمعركة لا تملك قرارها.
وبين أنقاض لبنان، وذاكرة سوريا التي لم تعد (حاضنة) بل شاهدة اتهام، وصواريخ إيران التي تعبر الحدود أكثر مما تحميها، يتشكل شرق أوسط مختلف—لا أكثر عدلاً، بل أكثر صراحة: لا أحد يقاتل من أجل أحد، وكل حرب، مهما كان شعارها، يدفع ثمنها دائماً أولئك الذين لم يختاروها.

