تحولت العاصمة الإيرانية طهران ومدن كبرى أخرى إلى ما يشبه “الثكنات العسكرية” المغلقة، حيث فرض النظام الإيراني إجراءات أمنية مشددة غير مسبوقة في محاولة للسيطرة على الشارع ومنع أي تحركات احتجاجية، عقب سلسلة الضربات الجوية العنيفة التي استهدفت مراكز القيادة والقرار في البلاد.
طهران مدينة صامتة: حواجز “الرهبة” تمزق أوصال العاصمة
أفادت تقارير ميدانية لوكالة “فرانس برس” بأن شوارع طهران أفرغت من سكانها، حيث غابت الازدحامات المرورية المعتادة لتحل محلها نقاط تفتيش مكثفة نصبتها قوات الأمن والحرس الثوري عند كل زاوية. وينتشر مسلحون بملابس مدنية وآخرون ببدلات عسكرية وسترات واقية من الرصاص، مدججين بالرشاشات الثقيلة، ويقومون بتفتيش السيارات والهواتف المحمولة بشكل عشوائي لبث الرهبة في نفوس السكان.
وأكد سكان محليون أن قوات الأمن تجوب الشوارع وتدقق في محتويات الهواتف، مما دفع الكثيرين إلى ملازمة منازلهم وعدم الخروج إلا لتأمين الاحتياجات الغذائية الضرورية، خوفاً من الاعتقالات العشوائية.
جهاز قمع ضخم وتعتيم معلوماتي
وفقاً لبيانات “المؤسسة المتوسطية للدراسات الاستراتيجية”، أقام النظام الإيراني جهازاً أمنياً هائلاً يقدر بنحو 850 ألف عنصر، يتألف من 600 ألف من قوات “الباسيج” (قوة التعبئة) و250 ألفاً من وحدات الأمن الداخلي. وتتركز مهمة هذا الجهاز حالياً على حماية النظام من “التهديد الوجودي” المتمثل في احتمال خروج الإيرانيين إلى الشوارع.
إقرأ أيضا: علي الأمين: لبنان بين مطرقة الاحتلال الإسرائيلي وسندان الأجندة الإيرانية.. والدولة مطالبة بانتفاضة سيادية
وبالتوازي مع الانتشار الميداني، فرضت السلطات حالة من “التعتيم المعلوماتي” الكامل عبر حجب خدمة الإنترنت في عموم البلاد، وهو إجراء يهدف إلى قطع التواصل بين المتظاهرين ومنع وصول صور الأحداث الميدانية إلى الخارج، وسط تحذيرات حقوقية من وقوع “مجازر جديدة” واعتقالات جماعية تحت غطاء الحرب.
انهيار القيادة وتصاعد التوتر
وتأتي هذه القبضة الأمنية الحديدية في أعقاب يوم السبت الدامي، الذي شهد قصفاً مكثفاً أدى إلى مقتل المرشد الإيراني علي خامنئي وعدد من كبار مسؤولي النظام. وبينما بث التلفزيون الرسمي مشاهد لتجمعات منظمة تنعي القادة وتصفهم بـ”الشهداء”، أشارت تقارير من مدينة شيراز وجزيرة كيش إلى أن القوات الحكومية سارعت لتفريق أي مظاهر لاحتفالات عفوية أعقبت أنباء غياب القيادة.
الموقف الدبلوماسي: تحدٍ وسط الركام
وعلى الصعيد السياسي، ورغم الخسائر الميدانية، لا تزال بعض الأصوات في طهران تتبنى لغة التحدي؛ حيث أكد وزير الخارجية عباس عراقجي أن إيران “مستعدة لكل الاحتمالات”، بما في ذلك أي مواجهة برية محتملة، معتبراً أن أي تدخل من هذا النوع سيكون “كارثياً” على القوى المهاجمة. يأتي ذلك في وقت تشير فيه التقارير الدولية إلى أن الدفاعات الجوية والقدرات الصاروخية والأسطول البحري الإيراني قد تعرضوا لدمار هائل أو شبه كامل، مما يضعف قدرة النظام على المناورة الخارجية ويركز ثقله على الصراع الداخلي.
بين الحواجز الأمنية وحجب الإنترنت، تعيش إيران لحظة فارقة يسودها الترقب والوجل. فبينما يحاول النظام حماية نفسه بجيش من العناصر الأمنية، يترقب السكان في منازلهم مال مآلات هذه المواجهة، حيث لخصت إحدى المواطنات في طهران المشهد بقولها: “نبقى في المنزل ونأمل أن نبقى على قيد الحياة، لنتمكن فعلاً من الرقص عندما نصبح أحراراً”.

