لا شكّ أن إطلالات الشيخ نعيم قاسم، أمين عام حزب الله، وبعض قيادييه القُدامى والجُدد، بدأت تُلقي الشكوك في قلوب اللبنانيين، نتيجة وجود تناغم بين ما يقولونه وبين ما يتحدث به الإعلام العبري في الأراضي الفلسطينية المحتلة، المعروفة بإسرائيل.
تصريح نواف الموسوي وتكريس الذريعة الإسرائيلية
ونأخذ هنا مثلين حصلا في نهاية الأسبوع الماضي. الأوّل يتعلّق بما قاله القيادي السابق في الحزب نواف الموسوي، بأن حزب الله لم يُسلّم سلاحه جنوب الليطاني، وأن رجاله ومقاتليه لا يزالون فيه، وكأنه يؤكد ما يتحدث به الإعلام العبري على لسان رئيس وزرائه ورئيس أركان جيشه، بأن الحزب لا يزال في جنوب الليطاني. وهو بالتالي يُعطي إسرائيل وقواتها الحق بقصف الجنوب، بما فيها جنوب النهر وشماله.
وبذلك، يُكذّب ما أعلنته قيادة الجيش في آخر تقرير تلاه قائده في جلسة الحكومة في بداية الشهر الماضي، والتي أثنت عليه منظمة الأمم المتحدة عبر قواتها العاملة في الجنوب، كما تحدثت عنه الولايات المتحدة ونوّهت بما قام به وما أنجزه الجيش. وبناءً عليه، تم تحديد مواعيد لقائد الجيش في زيارته الحالية إلى واشنطن، التي يقوم بها حاليًا.
رفض تسليم السلاح وتثبيت سردية العجز
والمثل الآخر، ما يقوله أمين عام حزب الله بأن حزبه لن يُسلّم سلاحه، وهذا أيضًا يُشكّل تناغمًا سلسًا يؤكد صوابية أقوال القيادات الإسرائيلية، بأن الدولة اللبنانية وجيشها عاجزتان عن القيام بتطبيق قراراتها، بتنفيذ حصرية السلاح على الأراضي اللبنانية.
كما أنه، وعلى إثر كل إطلالة لقاسم، وكأنها تبرير جديد لعملية قصف إسرائيلي على مناطق الجنوب، وبداية تصعيد جديدة تهدف إلى مزيد من الاغتيالات لشباب وكوادر حزب الله.
سابقة في تاريخ حركات المقاومة
هذا الأمر يُشكّل سابقة في تاريخ حركات التحرر والمقاومة، في التاريخ القديم منه والحديث، حيث إنه للمرة الأولى يشهد العالم هذا التناغم الغريب والعجيب ما بين قيادة ما يُسمّى مقاومة وعدوها. وكأن في ذلك ليس تناغمًا فحسب، بل نسبة كبيرة من التوافق في الرؤى والأهداف. وهذا الأمر يُشكّل ظاهرة جديدة في ما بين المقاومات وأعدائها.
خطاب التخوين واستهداف الحكومة
هذا عدا عن تطرّق قاسم في خطابه يوم أمس أيضًا، وكعادة حزبه، إلى تخوين الآخرين الذين يختلف معهم بالرأي، خصوصًا أثناء حديثه عن الحكومة وعن وزرائها، والوزراء الآخرين الذين يهدفون – بحسب قوله – إلى خلق فتنة. وهو في ذلك يغمز من ناحية وزيري الخارجية والعدل.
فالأول، لتصريحاته حول إيران منذ فترة، والتي هي بنظر الكثير من اللبنانيين على أنه وزير سيادي أعاد للخارجية سيادتها، بعد أن كانت إلعوبة في العهود الماضية بيد حزب الله، ومن قبل بيد الوصاية السورية.
أما من ناحية وزير العدل، فبسبب الموقف من تعميمه لكتّاب العدل حول التشدد في التحقق من المعاملات العقارية، والتي تهدف إلى كشف عمليات تبييض الأموال التي تُستعمل فيها ومن خلالها.
ادعاء العمل من أجل لبنان ووقائع التعطيل
أما عن حديثه بأن وزراءه ووزراء حليفته أمل يعملون من أجل لبنان، ففي ذلك ذرٌّ للرماد في العيون، لأنهم عند كل استحقاق يُهددون بالانسحاب أو التعطيل. ولا ننسى تغيبهم عن جلستي الخامس والسابع من شهر آب الماضي، حين اتخذت الحكومة قراري تكليف قيادة الجيش بوضع خطة تطبيق حصرية السلاح. وهذا كافٍ لاعتبار أن كلام قاسم غير صحيح ومُجافٍ للحقيقة التي يُحاول إظهارها زورًا.
خصوصًا أن اللبنانيين لم ينسوا أن العملاء، وبشكلٍ لا يقبل الشك، وبغالبيتهم المطلقة، قد خرجوا ولا يزالون يخرجون من صفوف الحزب نفسه، ومن بيئته اللصيقة به على وجه الخصوص. لذلك، فإن كل كلام بالتخوين والعمالة مردودٌ على أصحابه.
وما تقوم به الأجهزة الأمنية، وتحديدًا شعبة المعلومات في قوى الأمن الداخلي واستخبارات الجيش اللبناني، تشهد له الفترات الماضية، بأنها وحدها، وبالتعاون مع باقي الأجهزة الأمنية، قادرة على حماية لبنان وشعبه، بعيدًا عن كل ما يُحكى ويُروى عن أن سلاح المقاومة يحمي، وهو الذي لم يستطع حماية قادته وشعبه.
حصيلة حرب الإسناد: خسائر بلا إنجاز
وكل اللبنانيين الذين عاشوا حرب الإسناد الأخيرة تأكدوا أنها لم تستطع إسناد غزة فحسب، بل ما سببته وجلبته للبنان من عودة الاحتلال إلى النقاط الخمس، وما نتج عنها من تدمير لعشرات القرى والبلدات، والتي لا يزال أهلها يعيشون النزوح في وطنهم حتى اليوم.

