نظّم «منتدى جنوبية» مساء أمس الثلاثاء ندوة سياسية بعنوان «إيران في منعطفها التاريخي»، شارك فيها المفكر والأكاديمي الدكتور وجيه قانصو، والكاتب والصحافي المتخصص في الشأن الإيراني حسن فحص، بحضور حشد من الناشطين السياسيين والإعلاميين، الذين خاضوا نقاشات معمّقة حول حالة الاستنفار الإقليمي المتصاعدة، في ظل الأزمة الأميركية – الإيرانية المستعصية، وما تحمله من احتمالات انفجار عسكري واسع يهدد المنطقة برمتها.
لقمان سليم حاضرًا: الكلمة أقوى من الرصاص
قدّم الندوة الناقد الأدبي والإعلامي نبيل مملوك، الذي استهل اللقاء بالوقوف عند دلالات انعقاد الندوة بالتزامن مع الذكرى الخامسة لاغتيال الباحث والناشط السياسي لقمان سليم، معتبرًا أن هذه الذكرى تؤكد أن «الصوت انتصر على الكاتم، وأن الكلمة الحرة سحقت الصمت»، في إشارة إلى استمرارية الفعل الفكري في مواجهة العنف السياسي.

وأشار مملوك إلى أن المنطقة، ولبنان في القلب منها، تعيش تحولات كبرى ومتسارعة، تفرض قراءة معمّقة لدور إيران وموقعها، خصوصًا في ضوء ما أعلنته واشنطن عن مفاوضات مرتقبة في إسطنبول، بالتوازي مع حشد عسكري أميركي متزايد، واستمرار الكباش السياسي والإعلامي بين واشنطن وتل أبيب من جهة، وطهران من جهة أخرى.
ولفت إلى توصيف الأكاديمي المصري الراحل مصطفى اللبّاد لإيران، حين شبّهها بـ«شجرة الفستق التي تبرز في عزّ العاصفة والاضطراب المناخي»، معتبرًا أن فهم إيران يقتضي مقاربتين متكاملتين: الأولى فكرية – تاريخية تقرأ التحولات العميقة في العقل الجمعي الإيراني، والثانية سياسية تفكك ديناميات الداخل الإيراني، بين الشارع المعارض والتيار المحافظ، وعلاقة ذلك بأي سلوك عسكري أو أمني محتمل.
قانصو: من كسر الخوف إلى إسقاط الشرعية

في مداخلته، رأى الدكتور وجيه قانصو أن الانتفاضة التي شهدتها إيران قبل ثلاث سنوات، والتي ارتبطت باسم مهسا أميني، لم تكن حدثًا عابرًا أو احتجاجًا محدود المطالب، بل شكّلت محطة مفصلية في تاريخ العلاقة بين المجتمع والنظام. ففي تلك اللحظة، اتخذ الشارع الإيراني قرارًا ضمنيًا بكسر سلطة القرار الشمولي، ونجحت الانتفاضة في تحقيق إنجازها الأهم: تحطيم حاجز الخوف، ولا سيما لدى النساء، اللواتي أصبحن أكثر جرأة في الفضاء العام وأكثر تحديًا لسلطة الدولة.
وأضاف قانصو أن المشهد الإيراني اليوم تجاوز بكثير شعارات تلك المرحلة، إذ لم يعد الصراع محصورًا بقضايا الحجاب أو الحريات الاجتماعية، بل تطوّر إلى مطالبة صريحة بإسقاط الجمهورية الإسلامية. وهنا، لم تعد العلاقة بين النظام والمجتمع علاقة توتر سياسي قابل للاحتواء، بل دخلت مرحلة نقطة اللاعودة، لتتحول إلى معركة وجودية للطرفين، وهو ما يفسر مستوى العنف والقتل الذي لجأ إليه النظام، إدراكًا منه لطبيعة التهديد الذي يواجهه.

جذور الأزمة: ثورة 1979 وما بعدها
واعتبر قانصو أن ما تشهده إيران اليوم ليس انفجارًا مفاجئًا، بل نتيجة مسار تاريخي بدأ مع ثورة عام 1979. فمنذ إسقاط نظام الشاه، رُفع شعار «الأصالة» في مواجهة مشروع التحديث الذي طُبّق من دون توفير أرضية ثقافية واجتماعية حاضنة، ما سمح للسلطة الدينية باستثمار مخاوف الإيرانيين، ولا سيما الشيعة، من فقدان الهوية وهيبة الدين، لتأسيس نظام ديني وضع المجتمع على مسار مأزوم.
وأوضح أن شعار «لا شرقية ولا غربية» لم يكن مجرد موقف سياسي، بل حمل في جوهره قطيعة معرفية وثقافية مع الحداثة والعالم الحديث، تُرجمت لاحقًا بشعار «الشيطان الأكبر». ومع غياب بديل حداثي حقيقي، جرى تكريس منطق الأمر الواقع، القائم على التعيين والغصب، وربط الحكم بإرادة إلهية مفترضة.
ولاية الفقيه وسلطة الغيب
وتابع قانصو أن الجمهورية الإسلامية استعارت الهيكلية الحديثة للدولة، لكنها ملأتها بمضمون ديني، فحوّلت السلطة إلى «مشروع خلاص»، وربطت شرعيتها بالإمام المهدي، لتصبح سلطة مقدسة لا تخضع للمساءلة. وفي هذا الإطار، كرّست ولاية الفقيه نموذجًا معكوسًا للشرعية، من الأعلى إلى الأسفل، حيث لا يستمد الحكم مشروعيته من الشعب، بل من سلطة غيبية، مدعومة بالقهر واحتكار العنف عبر الحرس الثوري.

واستعرض قانصو محطات التآكل التدريجي للنظام: من فشل الإصلاح في عهد محمد خاتمي، إلى سقوط المصداقية بعد تزوير الانتخابات في «الثورة الخضراء»، وصولًا إلى الانهيار الأخلاقي والسياسي الذي كشفته انتفاضة الحجاب. وخلص إلى أن النظام دخل اليوم مرحلة فقدان المعنى، بعدما عجز عن إقناع المجتمع بدوره أو برسالته، ما يفتح الباب أمام تحولات كبرى لم تتضح مآلاتها بعد.
فحص: النظام في دائرة الخطر

من جهته، رأى الصحافي حسن فحص أن المشهد الداخلي الإيراني يطرح سؤالًا جوهريًا حول ما إذا كان النظام قد نجح فعلًا في تجاوز موجات الاحتجاج الأخيرة، أم أنه لم يفعل سوى تأجيل أزمة أعمق وأكثر تعقيدًا. وانطلق فحص من مقاربتين متناقضتين تحكمان قراءة الواقع الراهن.
المقاربة الأولى، بحسب فحص، تستند إلى منطق عقائدي يعتبر أن «حفظ النظام من أوجب الواجبات»، حتى لو استدعى ذلك أقصى درجات القمع والعنف. ووفق هذا المنطق، تتحول أعداد القتلى والمعتقلين إلى «كلفة ضرورية» لضمان بقاء النظام.
أما المقاربة الثانية، فتنطلق من اعتبار أن النظام يعيش أزمة شاملة، سياسية واقتصادية وشعبية وعقائدية، وأن تقارب مواعيد الاحتجاجات يكشف تراجع قدرته على الاحتواء، وتآكل شرعيته الشعبية.
بين الشعارات والواقع
وأشار فحص إلى أن شعارات ثورة 1979 — الاستقلال، العدالة الاجتماعية، الحريات، والكرامة الإنسانية — شكّلت أساس الشرعية السياسية للنظام، لكن عودتها اليوم إلى الشارع، بعد أكثر من أربعة عقود، تعكس فشل النظام في تحقيق وعوده، وتدفع الإيرانيين إلى التساؤل عن جدوى التضحيات التي قُدّمت.

ولفت إلى أن النظام نجح، من جهة، في ترسيخ بقائه عبر توظيف الدين والعقيدة وتفكيك المعارضة المنظمة، كما استفاد من التهديدات الخارجية ليقدّم نفسه كحامي الكيان الوطني، وهو ما ظهر خلال المواجهة مع إسرائيل في حزيران الماضي، حين لم تتحقق رهانات اندلاع انتفاضة داخلية متزامنة مع الحرب.
لكن فحص شدد على أن هذا «النجاح» لم يلغِ تراكم الأزمات، خصوصًا الاقتصادية، من تضخم وانهيار العملة وبطالة وأزمات طاقة ومياه، فضلًا عن التراجع الحاد في الثقة بالسياسات العامة. أما الاحتجاجات الأخيرة، ورغم غياب القيادة والتنظيم، فهي تعبّر عن مواجهة مباشرة بين الشارع والنظام، في ظل عجز المعارضة الخارجية عن تقديم بديل، وفشل التيار الإصلاحي في استعادة ثقة جمهوره.
الخلاصة: خياران لا ثالث لهما
وخلص فحص إلى أن النظام الإيراني قد يكون قادرًا على قمع أي حراك داخلي على المدى القصير، لكنه يواجه تحديًا وجوديًا إذا تزامن الضغط الداخلي مع تصعيد أميركي أو إسرائيلي. وبين تهدئة مؤقتة تمنحه متنفسًا محدودًا، أو انفجارات أكثر راديكالية، يقف النظام أمام خيارين لا ثالث لهما: قيادة تغيير داخلي شجاع يضمن بقاء الدولة، أو الاستمرار في العناد، بما يفتح الباب أمام سيناريوهات خارج السيطرة.

