رسم رئيس تحرير موقع “جنوبية” الكاتب والصحافي علي الأمين خريطة الطريق للتحولات الكبرى التي تشهدها المنطقة، معتبراً أن المواجهة الحالية بين الولايات المتحدة وإيران تعكس اختلالاً جذرياً في موازين القوى، وواضعاً خطاب حزب الله الأخير في خانة “الخروج عن الواقع والتاريخ”.
المواجهة الأمريكية-الإيرانية: ترامب وخيارات “اللاحرب واللاسلم”
استهل الأمين قراءته بالحديث عن الحشد العسكري الأمريكي غير المسبوق في المنطقة، مؤكداً أنه ليس وليد الصدفة بل يأتي في سياق تحضير لمواجهة شاملة تهدف إلى إخضاع النظام الإيراني لمطالب واشنطن الأربعة (النووي، الباليستي، الأذرع، والموقف من الاحتجاجات).
إقرأ أيضا: نعيم قاسم في «الغرفة العازلة»: خطاب الانفصال عن جغرافيا الهزيمة
وأشار الأمين إلى أن اختبار “12 حزيران” أظهر حجم الاختراقات الاستخباراتية الهائلة داخل إيران، من اغتيال قادة الحرس الثوري والعلماء النوويين وصولاً إلى استهداف المفاعلات بمسيرات من الداخل الإيراني. وبرأيه، فإن المشروع النووي الإيراني ببعده العسكري قد “انتهى” عملياً، وأن النقاش اليوم يدور حول “الكميات المخصبة” ومكان نقلها (روسيا، تركيا، أو مسقط).
التغيير في إيران: من المطالب المعيشية إلى “إسقاط النظام”
توقف الأمين عند الحالة الشعبية في الداخل الإيراني، موضحاً أن الاحتجاجات انتقلت من سياق المطالب الاقتصادية والقومية إلى مطالب سياسية صريحة تستهدف رأس النظام (المرشد خامنئي). واعتبر أن النظرة الإيرانية الشعبية تختلف عن النظرة العربية؛ فالمواطن الإيراني يميل للإعجاب بالنموذج الغربي والأمريكي، وهناك نخبة إيرانية في الخارج قادرة على لعب دور في التغيير.
اختبار “12 حزيران” أظهر حجم الاختراقات الاستخباراتية الهائلة داخل إيران، من اغتيال قادة الحرس الثوري والعلماء النوويين وصولاً إلى استهداف المفاعلات بمسيرات من الداخل الإيراني
ورأى الأمين أن التغيير القادم في إيران قد لا يكون تقليدياً، بل قد يأتي عبر “صفقة تحت الطاولة” مع قيادات من الحرس الثوري أو ضغوط من داخل النخبة الحاكمة التي أدركت وصول البلاد إلى طريق مسدود، في ظل غياب الدعم الصيني والروسي الفعلي.
واقعية المحور: بين “يُتم” الوكلاء ومصالح طهران
في مقاربة حادة لوضع “محور المقاومة”، أكد الأمين أن طهران فقدت حاضنتها الشعبية وتأثيرها الإقليمي. وأشار إلى أن الدول العربية (السعودية، الإمارات، مصر) تتحرك اليوم لتجنب الضربة العسكرية خوفاً من الفوضى، لكن الإدارة الأمريكية بقيادة ترامب قد لا تمتلك ذات الحسابات التقليدية.
حزب الله “انتهى عسكرياً” فيما يخص تهديد إسرائيل، وأن تفوق الاحتلال التكنولوجي والاستخباراتي جعل أي تحرك للحزب مكشوفاً وقابلاً للإحباط فوراً
وعن وضع “الأذرع”، قال الأمين إنها تعيش حالة يرثى لها؛ فالنظام السوري سقط، والحشد الشعبي في العراق يبحث عن سبل بقائه بعدما أدرك أن أموال النفط تمر عبر “الفيدرالي الأمريكي”، بينما انكفأت إيران للبحث عن مخرج يحمي نظامها أولاً، وفق قاعدة “المصالح القومية الإيرانية فوق كل اعتبار”.
حزب الله والشيخ نعيم قاسم: خطاب “خارج التاريخ”
وانتقد الأمين بشدة الخطاب الأخير للأمين العام لحزب الله الشيخ نعيم قاسم، واصفاً إياه بـ”الخيالي والسريالي”. وأكد أن كلام قاسم عن توازن الردع واستعادة القدرات هو “جرعات تخديرية” لبيئة دمرت قراها وهجر أهلها.
واعتبر أن حزب الله “انتهى عسكرياً” فيما يخص تهديد إسرائيل، وأن تفوق الاحتلال التكنولوجي والاستخباراتي جعل أي تحرك للحزب مكشوفاً وقابلاً للإحباط فوراً.
وتوقف عند ربط قاسم استهداف خامنئي باستهداف الشيعة، مؤكداً أن خامنئي يقدم نفسه كـ”قائد عسكري وسياسي” وليس مجرد مرجع ديني، وبالتالي لا يمكنه الاحتماء بالصفة الدينية للهروب من تبعات صراعه مع “الشيطان الأكبر”.
إقرأ أيضا: في الذكرى الخامسة لاغتياله… معرض «باقون» يحتفي بذاكرة لقمان سليم
وأوضح الأمين أن عقيدة الحزب تقوم على حفظ “الجمهورية الإسلامية” في إيران حتى لو كان الثمن التضحية بالنفس أو بالوطن، وهو ما يضع لبنان في مهب الريح كرمال مصالح طهران.
الداخل اللبناني: الدولة والسيادة المفقودة
وحول مواقف رئيس الجمهورية جوزاف عون، رأى الأمين أن دعوة الدولة لاستعادة قرار السلم والحرب هي الطريق الوحيد للحل، لكنها تتطلب “فرض هيبة” ووقائع ميدانية.
وانتقد استهزاء بيئة الحزب بمصطلحات “التنظيف” أو “بسط السلطة”، معتبراً أن السلاح بات عبئاً على الطائفة الشيعية وعلى لبنان، ولم يعد قادراً على حماية أحد أو تأمين الاستقرار.
عقيدة الحزب تقوم على حفظ “الجمهورية الإسلامية” في إيران حتى لو كان الثمن التضحية بالنفس أو بالوطن، وهو ما يضع لبنان في مهب الريح كرمال مصالح طهران
وتساءل الأمين: “بأي حق يقرر فصيل واحد جر البلد إلى الموت والدمار؟”، مؤكداً أن القائد الحقيقي هو من يعد شعبه بـ”الحياة” والازدهار، وليس من يتفاخر بتقديم “قرابين” لسياسات إقليمية لم تحقق للبنان سوى العداء مع محيطه العربي والدولي.
ختم علي الأمين مقابلته بالتأكيد على أن “لحظة الحقيقة” قد حانت؛ فالرهان على “وحدة الساحات” سقط، وإيران ركنت للواقعية، والشيعه في لبنان والمنطقة يدفعون ثمن “الاستثمار في الأوهام”.
وخلص إلى أن الحل يبدأ بالاعتراف بالهزيمة، والعودة إلى كنف الدولة اللبنانية، والتوقف عن معاملة لبنان كـ”ساحة” أو “حطب” في موقد الصراعات الإيرانية-الأمريكية.

